الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٩٤
و قوله تعالى: فَنِعِمَّا هِيَ [١] أوردها لإشكالها، و إلّا فهي مندرجة في عموم ما ذكره، و تبيينها ما [٢] ذكره [٣]، و هو أنّ الفاعل مضمر، و «ما» مميّز، و «هي» المخصوص بالمدح، و أمّا قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [٤] فهذه يحتمل أن تكون مثلها، إلّا أنّ «ما» تكون موصوفة، فكان التقدير: إنّ اللّه نعم الشيء شيئا يعظكم به، فتكون «ما» تمييزا، و «يعظكم به» صفة له، و يحتمل أن تكون «ما» موصولة فاعلا على قول من جوّز ذلك في مثل بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ [٥]، فيجري فيه القولان الجاريان في مثل بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ، إلّا أنّ المخصوص في «بئس ما اشتروا به» مذكور،/ و هو أَنْ يَكْفُرُوا، و المخصوص ههنا محذوف للعلم به، و تقديره: إنّ اللّه نعمّا يعظكم به ذلك، و هو أداء الأمانة، و الحكم بالعدل.
«و في ارتفاع المخصوص بالمدح مذهبان: أحدهما: أن يكون مبتدا خبره ما تقدّم من الجملة».
و قد تقدّم الكلام على ذلك، و بيان أنّه الحامل لمن زعم أنّه اسم جنس، و إيضاح ذلك.
«و الثاني [٦]: أن يكون خبر مبتدأ».
كأنّه لّما تقدّم ذكر الفاعل مبهما قدّر سؤال عنه و أجيب بقوله: هو زيد، ثمّ استعمل على هذا النحو في هذا المعنى المقصود فصارت في حكم جملة واحدة لعروض هذا المعنى المقصود فيها، و هذا الثاني أولى من وجهين: لفظا و معنى، أمّا اللّفظ فلأنّ المبتدأ إذا كان خبره فعلا فالوجه أن لا يتقدّم عليه، و في جعل ذلك كذلك خروج عن هذه القاعدة، و هو بعيد.
و الآخر [٧]: أنّه إذا وقع خبر المبتدأ جملة فلا بدّ من ضمير، و لا ضمير، و ما توهّموه من أنّ الرّجل للجنس قد تقدّم فساده، و لو جوّز لكان وقوع الجنس موقع الضمير شاذّا قليلا أيضا.
و من حيث المعنى هو أنّ الإبهام يناسب التفسير، و إذا جعل زيد خبر مبتدأ كان التفسير فيه
[١] البقرة: ٢/ ٢٧١، و الآية إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ.
[٢] في د: «و تنبيها على ما ..». تصحيف.
[٣] سقط من ط: «و تبيينها ما ذكره».
[٤] النساء: ٤/ ٥٨
[٥] البقرة: ٢/ ٩٠، و انظر ما سلف ق: ٢١٢ ب.
[٦] في د: «المعنى». تحريف.
[٧] أي الوجه الآخر من جهة اللفظ.