الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٥٨
لأنّ تعدّيها إلى مفعولين إنّما كان بالنّظر إلى اقتضائها الجزأين، فإذا كانت قد وضعت لمعنى آخر لا يقتضي إلّا أمرا واحدا وجب أن لا تتعدّى إلّا إلى واحد، لأنّ التّعدّي أمر معنويّ، فثبت تعدّد متعلّقه و إفراده على حسب المعنى، و كذلك «ظننت» إذا أردت بها التّهمة، لأنّ الاتّهام إنّما يقتضي متّهما، و كذلك «علمت» إذا قصدت بها علم الشّيء في نفسه إنّما تقتضي واحدا، و فسّرها بعرفته، لأنّ وضع «عرفته» لذلك خاصّة، و بهذا يتبيّن أنّ تفسير الجميع بالمعرفة أوّلا غير سديد.
قوله: «و رأيته بمعنى أبصرته».
لأنّ الإبصار إنّما يقتضي واحدا، و «وجدت الضالّة»: أصبتها في نفسها.
«و كذلك «أريت الشيء» بمعنى بصّرته أو عرّفته».
قوله: «أو عرّفته» فيه نظر إذ لم يثبت «رأيت الشيء في نفسه» بمعنى عرفته، و إنّما ثبت «رأيته» بمعنى «علمته على صفة» [١] و بمعنى أبصرته بعيني [٢]، فاستعمال «أريت» على معنى «عرّفت» على خلاف ذلك، و لا يستقيم الاستدلال بقوله تعالى: وَ أَرِنا مَناسِكَنا [٣] فإنّه غير واضح في «عرّفنا» لظهوره في بصّرنا [٤]
قوله: «و «أتقول إنّ زيدا منطلق» أي: أتفوّه بذلك».
يوهم أنّ المعنى في الكسر غير المعنى في الفتح، و التّحقيق أنّ المعنى واحد في الموضعين، و كذلك إذا قلت: «أتقول زيد منطلق» و «أتقول زيدا منطلقا» في أنّ المعنى واحد، و هو السّؤال عمّا قام به من القول الذي هو مختصّ بهذه النّسبة، و وجه النّصب كوجه نصب مفعولي «أعلمت» [٥]
[١] سقط من د من قوله: «أو عرفته» إلى «صفة». خطأ.
[٢] قال ابن منظور: «و رأيت زيدا حليما علمته و هو على المثل برؤية العين». اللسان (رأى)، و انظر تهذيب اللغة: ١٥/ ٣٢٥، و الصحاح (رأى).
[٣] البقرة: ٢/ ١٢٨، و الآية رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا.
[٤] في ط: «أبصرنا»، قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: وَ أَرِنا: «منقول من رأى بمعنى أبصر أو عرف» الكشاف: ١/ ٩٤، و فسر الطبري و القرطبي قوله تعالى: وَ أَرِنا على أنّه من رؤية البصر، انظر جامع البيان للطبري: ١/ ٥٥٣ و الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١٢٧، و أنكر أبو حيان ثبوت رأى بمعنى عرف وردّ عليه الآلوسي، انظر: البحر المحيط: ١/ ٣٩٠، و روح المعاني: ١/ ٣٨٥- ٣٨٦
[٥] في ط: «علمت».