الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٥٣
زيد عمرا خير النّاس» برفع زيد و نصب ما عداه، لأنّه لم تدع ضرورة إلّا لمسند [١] إليه، و المسند إليه لا يكون إلّا واحدا، فوجب أن يبقى ما عداه على حاله.
ثمّ قال: «و للمفعول به المتعدّى إليه بغير حرف من الفضل على سائر ما بني له» إلى آخره.
يريد أنّ المفعول به الصّريح إذا وجد مع بقيّة المفاعيل لا يقام مقام الفاعل سواه، هذا مذهب البصريّين، و الكوفيّون يختارونه و لا يوجبونه [٢]، و السّرّ في وجوبه أنّه إذا حذف الفاعل فالأولى أن يقام مقامه ما كان أقرب إلى الفعل، و ليس في المفاعيل ما هو أقرب إلى الفعل من المفعول/ به، لأنّه من معقوليّته، كما أنّ الفاعل من معقوليّته، فإذا حذف أحدهما وجب إقامة الآخر مقامه، و لا يرد على ذلك إلّا المفعول المطلق، فإنّه أقرب إلى الفعل حيث كان و اصلا إليه بغير واسطة، و الجواب عنه أنّه ليس فيه دلالة زائدة، بل هو في المعنى نفس الفعل، و الغرض إقامة شيء يسند إليه، فلو أقمته أسندت الشيء إلى نفسه، فكان ممتنعا من حيث المعنى، بخلاف ما ذكرناه.
فإن قيل: فقولك: «ضرب ضرب شديد» و أمثاله هو الذي يستقيم إقامته مقام الفاعل، و فيه معنى زائد على معنى الفعل، [و هو الصفة] [٣]، فلم لم يكن أولى.
فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنّه لم يخرج عن كونه كأنّك نسبت الشيء إلى نفسه لأنّ الضّرب الشّديد ضرب، فكان غيره أولى إذا وجد.
و الآخر: هو أنّك لم تسند إلّا [٤] إلى ضرب خاصّ، و لذلك يحكم على «شديد» بأنّه صفة، و إنّما تكون الصّفة بعد تتمّة الاسم، فصار قولك: «ضرب ضرب» و «ضرب ضرب شديد» في أنّ الإسناد إلى ضرب فيهما سواء.
فإن قيل: فالمفعول به المتعدّى إليه بحرف هو في المعنى مقتضى الفعل، فلم كان المفعول به بغير حرف أولى، و قد قلت: إنّ الأولويّة فيه على بقيّة المفاعيل لأجل الاقتضاء، و الفعل يقتضيهما جميعا اقتضاء واحدا؟
[١] في د: «إلا المسند». تحريف. و في ط: «إلا إلى المسند إليه .....».
[٢] انظر المقتضب: ٤/ ٥٠، و شرح التسهيل لابن مالك: ٢/ ١٢٩، و شرح الكافية للرضي: ١/ ٨٤- ٨٥
[٣] سقط من الأصل. ط. و أثبته عن د.
[٤] سقط من ط: «إلا». خطأ.