الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٥١٧
و أمّا الدّأاث [١] فمنفرد [٢]، و سهّل أمره ما بعده من الألف [٣]، فكأنّهم كرهوا إدغامها في مثلها لما يؤدّي إليه من كلفة النّطق بها، لأنّها عندهم على انفرادها مستثقلة، حتى إنّهم قد خفّفوها بوجوه من التخفيفات، و كرهوا اجتماعها غير مدغمة في كلمة و في كلمتين في مثل: «آدم» و «أويدم»، و في كلمتين في مثل «قرأ أبوك»، و قد روي عن بعض العرب أنّهم يحقّقون الهمزة في كلمتين في مثل «قرأ أبوك»، و أخذ سيبويه جواز الإدغام لهؤلاء قياسا على غيرها ممّا يجتمع فيه المثلان [٤]، و رأى أنّهما إذا اجتمعتا غير مدغمتين كان اجتماعهما مدغمتين أسهل، و لم يسمع ذلك عن العرب الذين يحقّقون، و يمكن أن يكون الأمر على ما ذكر، و يمكن أن يكون على خلافه، و يفرّق بأنّه إذا أدغم اشتدّ الثّقل عند اجتماعهما من غير فصل عند الإدغام، و في غير الإدغام تحصل كلّ [٥] واحدة منطوقا بها على حدتها، فلا يلزم من اغتفار اجتماعهما عند الانفكاك اغتفاره عند الإدغام، و هذا كاف في إبطال قياس الإدغام، مع أنّه يصحّ أن يقال: لو كان الإدغام سائغا لوقع، و لو وقع لنقل، و كثيرا ما يستعمل سيبويه نحو هذا الاستدلال في المعنى، إلّا أنّه يمكن أن يقال: هذا مخصوص بما يكثر عنهم [٦]، فأمّا ما هو قليل في أصله فلا يلزم في فرع من فروعه أن يلزم نقله لوقوعه، و إنّما امتنع إدغامها [٧] في مقاربها لأمرين:
أحدهما: أنّ ما فيها من القوّة [٨] لا يشاركها فيه غيرها [٩]، فلا تدغم لفوات وصفها من غير
[١] «دأث الطعام: أكله» اللسان (دأث)، و الدّأاث: اسم واد، انظر معجم البلدان (دأاث)، و شرح الشافية للرضي: ٣/ ٢٣٦.
[٢] في ط: «فمفرد».
[٣] لا يجوز إدغام الهمزتين إلا في باب فعّل و فعّال، انظر المقتضب: ١/ ١٩٨ و شرح المفصل لابن يعيش:
١٠/ ١٣٤- ١٣٥، و الممتع: ٦٣٣.
[٤] يجب تخفيف الهمزة في مثل «قرأ أبوك» عند أكثر العرب، و هو مذهب يونس و الخليل و سيبويه، و حققهما ابن أبي إسحاق و أناس معه، و قال عنه سيبويه: «و هو رديء» الكتاب: ٤/ ٤٤٣، و فسر السيرافي كلام سيبويه بأنه إنما أنكر الإدغام على مذهب من يخفف الهمزة، و أجازه على لغة من حقق الهمزتين، انظر المقتضب:
١/ ١٩٨، و شرح المفصل لابن يعيش: ١٠/ ١٣٥، و الممتع: ٦٣٣- ٦٣٤، و شرح الشافية للرضي: ٣/ ٢٣٦.
[٥] في ط: «لكل»، تحريف.
[٦] في ط: «عندهم».
[٧] أي الهمزة.
[٨] في ط: «قوة».
[٩] سقط من د: «غيرها»، خطأ. و في ط: «غيره»، تحريف.