الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٥١٦
ثمّ ذكر من المتباعدة [١] ما يحصل له وجه في التقريب مسوّغ لإدغامه، فذكر النون مع الميم، و النون من طرف اللّسان و فوق الثّنايا، و الميم من الشّفتين، و بينهما مخارج، و إنّما الوجه الذي قرّب بينهما الغنّة التي اشتركا فيها، فصارا بذلك متقاربين على ما تقدّم، و إنّما أدغموا النون في الميم و لم يدغموا الميم في النون و لا في غيرها لأنّ النون الساكنة كثرت في استعمالهم حتى استغنوا بغنّتها فيما تحسن معه تخفيفا للكلام و تحسينا له، فلمّا ثبت ذلك لها أجريت مع الميم على [٢] ذلك المجرى، و لم تدغم الميم لما ذكرنا من فوات صفتها على ما تقدّم، و كذلك أدغموا النّون في الواو و الياء لما ذكرناه من إمكان بقاء الغنّة منها فيهما مع كونها كثرت ساكنة، فأجريت معها مجرى الحروف التي يحسن إخفاؤها فيها.
قال: «و أدغموا حروف [٣] طرف اللّسان في الضّاد و الشّين».
يعني بحروف طرف اللّسان التاء و الطّاء و الدّال [٤]، فإنّهم يدغمونها في الضّاد و الشين و الجيم، و إن كانت متباعدة عنها في المخرج، لأنّك عند النّطق بها يصير طرف اللّسان- و إن لم يكن مخرجا لها [٥]- قريبا من مخرج حروفه من الحنك، فصارت بذلك كأنّها مقاربتها، و إن كان صوتها يخرج من غير ذلك المحلّ، فلذلك أدغمت فيها.
قال: «فالهمزة لا تدغم في مثلها إلّا في قولهم [٦]»، إلى آخره.
قال الشيخ: ثمّ شرع يذكر الحروف حرفا حرفا باعتبار إدغامه و الإدغام فيه، ليتبيّن بالتفصيل ما لا يتبيّن في الإجمال، فقال: «و أمّا الهمزة [٧] فلا/ تدغم في مثلها» إلى آخره، يعني إلّا في باب فعّال، فإنّه باب قياسيّ، فحوفظ عليه مع وجود المدّة بعدهما، فكانت كالمسهّلة لأمرهما.
[١] في ط: «التباعد»، تحريف.
[٢] سقط من ط: «على».
[٣] في المفصل: ٣٩٧: «و حروف». و سقط «أدغموا».
[٤] انظر الكتاب: ٤/ ٤٦٥، و المقتضب: ١/ ٢١٢، و شرح المفصل لابن يعيش: ١٠/ ١٣٤.
[٥] أي للضاد و الشين و الجيم.
[٦] في المفصل: ٣٩٧: «نحو».
[٧] في المفصل: ٣٩٧: «فالهمزة».