الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٢٩
يثبت كون الجملة الأولى نفيا و الثانية مثبتة، و إن خالف التّمثيل في المعنى، و هو قوله: (ما تأتينا فأنت تجهل أمرنا،) إذ لا يشكّ من قيل له ذلك أنّ قوله: «فأنت تجهل أمرنا» مثبت بخلاف ما تقدّم، فإنّه محتمل، فمثّل الاحتمالين بما لا يحتمل سواه ليوضّحه، ثمّ مثّل بقول العنبري [١]:
غير أنّا لم تأتنا بيقين
فنرجّي و نكثر التّأميلا
في الرّفع أيضا، و هو أيضا لا يحتمل إلّا الرّفع، لأنّ المعنى على أنّ الآتي لم يأت بيقين، فنحن نرجو خلاف ما أتى به لانتفاء اليقين عمّا أتى به، و لا يستقيم على ذلك إلّا الرّفع، لأنّه لو جزم لدخل مع الإتيان في النفي، فيفسد [٢] المعنى، إذ المعنى إثبات الرّجاء [٣]، و لو نصب لنصب على الجمعيّة، و يجب أن يكون أيضا منفيّا معه.
فإن قلت: لم لا يستقيم النصب على المعنى الثاني للفاء، و هو أنّ هذا لا يكون عقيب هذا، لأنّ معناهما أنّهما لا يجتمعان؟
قلت: يفسد المعنى أيضا، لأنّ ذلك المعنى على أنّ الأوّل لا يكون عقيبه الثاني، حتّى كأنّه وصف له، و أنت لو قدّرت نفي الثاني على تقدير حصول الأوّل فسد المعنى فيهما جميعا، إذ المعنى نفي الأوّل و إثبات الثاني، و هذا عكسه.
ثمّ مثّل بقوله
« و هل تخبرنك اليوم بيداء سملق»
[٤]:
ألم تسأل الرّبع القواء فينطق
في الرّفع، و ظاهره أيضا الرّفع، لأنّه أراد أنّ النّطق حاصل لها على سبيل التّجوّز لما هي عليه من أحوالها، و لم يقصد أن يدخل النّفي إلّا على السّؤال، و على ذلك يكون الرّفع، و إن كان النّصب و الجزم غير ممتنعين. و لذلك قال سيبويه: «لم يجعل الأوّل سببا للآخر، و لكنّه جعله
[١] كذا نسبه الزمخشري في المفصل: ٢٤٩، و نسب في الكتاب: ٣/ ٣١، و شرح المفصل لابن يعيش: ٧/ ٣٧ إلى بعض الحارثيين، و ورد بلا نسبة في مغني اللبيب: ٥٣٣ و الخزانة: ٣/ ٦٠٦- ٦٠٧.
[٢] في د: «و لفسد».
[٣] في الأصل. ط: «إثباته». و ما أثبت عن د. و هو أوضح.
[٤] عجز البيت:
« هل تخبرنك اليوم بيداء سملق»
و قائله جميل بن عبد اللّه بن معمر، و هو في ديوانه: ١٤٤، و شرح المفصل لابن يعيش: ٧/ ٣٧، و المقاصد للعيني ٤/ ٤٠٣، و الخزانة ٣/ ٦٠١، و ورد بلا نسبة في الكتاب: ٣/ ٣٧
القواء: التي لا تنبت، و السّملق: الخالية. الخزانة: ٣/ ٦٠١