الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٢٥
و الآخر: أنّ معنى قولك: «زرني و أزورك» [١] لتجتمع الزيارتان، و ليس معناه لتجتمع الزيارتان [٢]، فصحّ أن يكون الأوّل تفسيرا دون الثاني، و أيضا فإنّ النّصب مفسد للمعنى من جهة أخرى، و هو أنّه يصير تعليلا للأوّل و هو هو، فكأنّه علّل الشيء بنفسه، فكأنّه قال: لتجتمع الزيارتان، لتجتمع الزيارتان، فكان مثل قولك: «ضربته لأضربه» و هو فاسد.
و مثّل النّصب بما لا يستقيم معه سواه [٣]، لأنّ الجزم و الرّفع في البيت [٤] غير مستقيم، أمّا الجزم فقد ذكره، و أمّا الرّفع فيدلّ على الاستئناف، و الغرض الاجتماع بدليل قوله
« فقلت ادعي و أدعو إن أندى
لصوت أنّ ينادي داعيان».
[٥]:
... إنّ
لصوت أن ينادي داعيان
و لا ينهض هذا المعنى إلّا بالنّصب.
ثمّ قال: «و بالرّفع» يعني في المثال [٦] لا في البيت، لأنّ الرّفع يضعف معناه، ثمّ مثّل الرّفع بما لا يستقيم معه سواه، و هو قوله: «دعني و لا أعود» لتعذّر النّصب و الجزم على العطف، أمّا النصب فيفسد المعنى لأنّه يصير المعنى ليجتمع تركك لي و تركي لما تنهاني عنه، و قد علم أنّ طلبه لتركه إنّما هو في الحال بقرينة ألمه [٧] بتأديبه، فيفوت مقصود طالب الأدب، و الغرض من هذا الكرم لمن أدّب حصول مقصود مؤدّبه و لا يحصل مقصوده إلّا بترك العود في المستقبل، و لا يستقيم الجزم، لأنّه إن جزم عطفا كان فاسدا على ما يذكر بعده، و إن جزم بلا على أنّها للنّهي، و تكون جملة نهييّة معطوفة على جملة أمريّة، و هي قولك: دعني، فكأنّه قال: دعني، ثمّ شرع في جملة أخرى
[١] بعدها في د «بالجزم» و لا يجوز الجزم، انظر شرح المفصل لابن يعيش: ٧/ ٣٥.
[٢] انظر الكتاب: ٣/ ٤٥
[٣] جاء في حاشية د: «أي مثّل النصب بشيء لا يستقيم مع ذلك الشيء سوى النصب». ق: ١٩٠ ب.
[٤] أي في بيت جرير المتقدم.
[٥] البيت بتمامه:
«فقلت ادعي و أدعو إن أندى
لصوت أنّ ينادي داعيان».
نسب في الكتاب: ٣/ ٤٥، و المقاصد للعيني: ٤/ ٣٩٢، إلى الأعشى و ليس في ديوانه، و نسبه القالي في اماليه: ٢/ ٩٠ إلى الفرزدق و ليس في ديوانه طبعتي الصاوي و صادر، و نسبه الزمخشري في المفصل: ٢٤٨ إلى ربيعة بن جشم، و ذكر ابن يعيش و العيني الاختلاف في نسبته إلى الحطيئة و ربيعة بن جشم. انظر شرح المفصل لابن يعيش: ٧/ ٣٥، و المقاصد للعيني: ٤/ ٣٩٢، و لم أجده في ديوان الحطيئة، و نسبه صاحب اللسان (ندى) إلى مدثار بن شيبان النمري، و ورد بلا نسبة في مجالس ثعلب: ٤٥٦، و الإنصاف: ٥٣١.
[٦] أي في قوله: «زرني أزورك». المفصل: ٢٤٨- ٢٤٩
[٧] في ط: «الأمر».