الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٢٣٩
العصيان ارتباطا على سبيل التقدير، فلو قدّر نفي العصيان منتفيا على ما تقدّم فيما هو ظاهر «لو» [١] لوجب ثبوت العصيان، إذ نفي نفي الشّيء إثبات له، فيكون قد أثبت له العصيان، و هو نقيض المعنى الذي سيق له الحديث، لأنّه سيق للمدح، فكيف يمدحه بالعصيان؟ و كذلك الآية سيقت على أنّ بين ثبوت كون ما في الأرض من شجرة أقلاما و كون البحر مدادا و بين نفي النّفاد عن كلماته ارتباطا، فلو قدّر نفي النفاد منتفيا على ما ذكرناه من ظاهر كلامهم في «لو» لأدّى إلى أن يكون النّفاد حاصلا، إذ نفي النّفي إثبات له، فيلزم منه خلاف ما علم، لأنّ [٢]/ سياق الآية على خلافه و خلاف المعقول، و لكن مثل ذلك إنّما يأتي عند قيام القرائن الدّالّة على ثبوت [٣] الثاني، و ذلك قد يكون من خارج، و قد يكون معلوما من نفس سياق الكلام الذي تضمّنته «لو».
فمثال الأوّل [٤] قوله: «نعم العبد صهيب»، لأنّه قد علم أنّ العصيان عن مثله منتف، فإذا قال: «لو لم يخف اللّه لم يعصه» علم بهذه القرينة أنّه لم يرد نفي ما وقع جوابا.
و الثاني [٥] كقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ الآية، ألا ترى أنّ ذكر أشجار الأرض، و تعداد [٦] البحار على أنّها أقلام و مداد ممّا يفهم منه أنّ المراد نفي النّفاد لا حصوله، فعلم من سياق الآية نفي النّفاد.
و بقي الرّبط بين شرطها و جوابها على تقدير الثّبوت، و كذلك إذا قلت لمن جاءك فأثنيت عليه: «و لو لم تجئني لأثنيت عليك»، فمثل ذلك يعلم أنّه لم يقصد إلى نفي الثاني، و إنّما قصد إلى الرّبط بين الأوّل و الثاني على سبيل الإثبات تقديرا.
و قد يقال: إنّ الانتفاء في الجميع مقدّر [٧]، و يكون قولك لمن أثنيت عليه لّما جاءك: «و لو لم تجئني لأثنيت عليك» أنّ [٨] الثّناء المرتبط بنفي المجيء منتف، و الثّناء الذي حصل ليس هو الثّناء المرتبط بنفي المجيء، و لكن لّما كانا جميعا ثناء توهّم أنّه يتعذّر تقدير انتفائه، و هذا و إن استقام فيما
[١] في الأصل ط: «ظاهرها»، و ما أثبت عن د. و هو أوضح.
[٢] في د. ط: «أن».
[٣] سقط من د: «ثبوت». خطأ.
[٤] أي: قيام القرائن من خارج.
[٥] أي: المعلوم من نفس السياق.
[٦] في د: «و تعدّد».
[٧] في د: «في الكل يقدر».
[٨] في د: «لأن». تحريف.