الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ١٩٧
مررت بهما» [١].
يعني إذا قلت: «مررت بزيد و حمار»، و لم يرد بنفي المنزلة إلّا باعتبار نسبة المرور إليه، و إلّا فلا يشكّ ذو أرب أنّ تقديم زيد على الحمار لمنزلته و شرفه، و ذلك جار في كلامهم كثيرا، لأنّهم يقدّمون الأشرف، و لكن ليس للغرض الذي نحن فيه، و لم يقصد سيبويه إلّا ما نحن فيه [٢] من أنّ التقديم لا يوجب له مزيّة على الحمار بالنّسبة إلى المرور.
و أمّا الفاء فمعناها أنّ الثاني عقيب الأوّل من غير مهلة، كقولك: «جاء زيد فعمر»، فقد فارقت الواو [٣] لما فيها من الترتيب، و التّعقيب فيها على حسب ما يعدّ في العادة تعقيبا، لا على سبيل المضايقة، فربّ شيئين يعدّ الثاني عقيب الأوّل في العادة، و إن كان بينهما أزمان كثيرة، كقوله تعالى: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [٤].
و «ثمّ» معناها الترتيب إلّا أنّ بينهما مهلة، فقد فارقت الواو بالترتيب، و فارقت الفاء بالمهلة، و قول سيبويه في قولهم: «مررت برجل ثمّ امرأة»: «فالمرور ههنا مروران» [٥]، لأنّه لّما دلّت «ثمّ» على المهلة وجب الحكم بانقطاع/ المرور بالرجل قبل المرور بالمرأة، فيكون المرور بالمرأة مرورا ثانيا، و أورد [٦] الآيتين [٧] اعتراضا على القول في معنى الفاء و «ثمّ»، أمّا الفاء فهي في ظاهر الآية تدلّ على أنّ الثاني قبل الأوّل، و هو عكس ما تقدّم، و أمّا «ثمّ» في الآية فكذلك، و أجاب عن الفاء بقوله:
«محمول على أنّه لما أهلكها حكم بأنّ [٨] البأس جاءها»، فكأنّه قال: أهلكناها، فحكم عقيب
[١] قال سيبويه: «و ذلك قولك: مررت برجل و حمار قبل، فالواو أشركت بينهما فجريا عليه، و لم تجعل للرجل منزلة بتقديمك إياه يكون بها أولى من الحمار، كأنك قلت: مررت بهما»، الكتاب: ١/ ٤٣٧- ٤٣٨.
[٢] سقط من ط: «و لم يقصد سيبويه إلّا ما نحن فيه».
[٣] في ط: «فارقت الفاء الواو».
[٤] المؤمنون: ٢٣/ ١٤.
[٥] الكتاب: ١/ ٤٣٨.
[٦] أي: الزمخشري.
[٧] هما قوله تعالى: وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) ، الأعراف: ٧/ ٤
و قوله تعالى: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى. [٨٢] طه: ٢٠/ ٨٢.
[٨] سقط من ط: «بأن». خطأ.