الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ١٨٨
أنّهم يؤمنون، و فيه ردّ لقولهم، و يجوز أنّها على ظاهرها لغير «لعلّ» على معنى التعليل لتوبيخهم على ذلك، و جوابا لسؤال مقدّر، كأنّه قيل [١]: لم وبّخوا على ذلك؟ فقيل: لأنّها إذا جاءت لا يؤمنون.
قال: «لكنّ هي للاستدراك»، إلى آخره.
قال الشيخ: وضع «لكنّ» على أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها على ما تقرّر عند ذكر دخول الّلام مع «إنّ»، فإذا كان ما قبلها نفيا كان ما بعدها إثباتا و بالعكس، و ليس المقصود صورة النفي و الإثبات، و إنّما المعتبر المعنى، فلو قلت: «سافر زيد لكنّ عمرا أقام» استقام [٢]، لأنّ المعنى: لكنّ عمرا ما سافر [٣]، و كذلك لو قلت: «ما سافر زيد لكنّ عمرا لم يقم» كان مستقيما، لأنّ المعنى: لكنّ عمرا سافر، فاستقام في الجميع لحصول الغرض في المخالفة بين ما بعدها و ما قبلها، و منه قوله تعالى: وَ لَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ لكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ [٤]، لأنّ المعنى: و لكنّ اللّه ما أراكهم كثيرا، فاستقام لهذا المعنى على ما تقدّم، و إنّما فهم ذلك من قوله: «و لكنّ اللّه سلّم» لكونه جاء في سياق «لو»، و «لو» تدلّ على امتناع الشّيء لامتناع غيره، فدلّ [٥] على أنّ الإراءة ممتنعة في المعنى، فلمّا قيل: «و لكنّ اللّه سلّم» علم إثبات ما فهم إثباته أوّلا، و هو سبب/ التسليم، و هو نفي الرّؤية، فعلم أنّ المعنى: و لكنّ اللّه ما أراكهم كثيرا ليسلّمكم، فحذف السّبب و أقيم المسبّب مقامه.
قال: «و تخفّف فيبطل عملها كما يبطل عمل «إنّ» و «أنّ»».
لم يرد تشبيهها بهما في جواز الإعمال لأنّها لا تعمل إذا خفّفت، بخلاف «إنّ» و «أنّ»، و إنّما لم يعملوها لأنّها أشبهت بالتخفيف «لكن» العاطفة في اللّفظ و المعنى، فأجريت مجراها في ترك العمل، بخلاف «إن» و «أن»، فإنّهما ليس لهما ما يجريان عليه في منع العمل.
«و تقع في حروف العطف على ما سيجيء بيانه إن شاء اللّه تعالى».
[١] سقط من د: «قيل»، خطأ.
[٢] في د: «جاز».
[٣] بعدها في د: «أو المعنى ما سافر».
[٤] الأنفال: ٨/ ٤٣.
[٥] في د: «يدل».