الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ١٨١
«أن» المفتوحة المخفّفة كيفما وقعت و لم يقدّروه في «إن» المكسورة ألبتّة لأمرين:
أحدهما: أنّهم وجدوها داخلة على الفعل الذي لا يدخل على المبتدأ و الخبر، فلو لم يقدّر الضمير لخرجت عن حقيقة وضعها، بخلاف «إن» المكسورة، فإنّها لا تدخل إذا دخلت على فعل إلّا و هو من الأفعال الداخلة/ على المبتدأ و الخبر، فكان في ذلك توفية لما تقتضيه، و هذا التعليل مستقيم على مذهب البصريّين، فلذلك لم يجيزوا «إن قام لزيد» [١].
و الوجه الثاني: أنّهم وجدوا «إن» المكسورة عاملة و هي مخفّفة في الفصيح من الكلام، قال اللّه تعالى: وَ إِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ [٢] فجاء منصوبا في قراءة كلّ من خفّف [٣]، و لم تجىء «أن» المخفّفة المفتوحة عاملة في ملفوظ بعدها إلّا ما ذكرناه من الضرورة، و هي أولى في العمل بعد التخفيف من المكسورة بدليل جواز العطف على المكسورة بالرّفع، و تقدير وجودها كالعدم، فإذا جاء الإعمال فيها [٤] مع ذلك فإعمال المفتوحة أجدر، فلذلك قدّروا معها ضمير الشّأن، و الذي يدلّك على ذلك و أنّ [٥] العرب تقصده قول الشّاعر
في فتي كسيوف الهند قد علموا
أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل
إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا
إنّا كذلك ما نحفى و ننتعل
[٦]:
في فتية كسيوف الهند قد علموا
أن هالك كلّ من يحفى و ينتعل
[١] ذهب الكوفيون إلى أنّ «إن» المخففة نافيه لا عمل لها، و هي عند البصريين مخففة من الثقيلة قد تعمل و قد تهمل، و إن وليها فعل لم يكن في الغالب إلّا فعلا ماضيا ناسخا، انظر الكتاب: ٢/ ١٤٠، و البغداديات:
٣٧- ٣٩، و شرح التسهيل لابن مالك: ٢/ ٣٤- ٣٥، و ارتشاف الضرب: ٢/ ١٤٩، و الجنى الداني: ٢٠٩
[٢] هود: ١١/ ١١١
[٣] قرأ ابن كثير و نافع و أبو بكر «و إن» «كلا لما» مخففة، انظر كتاب السبعة في القراءات: ٣٣٩، و الكشف عن وجوه القراءات السبع: ١/ ٥٣٦- ٥٣٧، و النشر: ٢/ ٢٩٠، و التيسير: ١٢٦، و الإتحاف: ٢٦٠
[٤] في د: «في المكسورة».
[٥] في الأصل. ط: «أن»، و ما أثبت عن د.
[٦] هو الأعشى، و البيت الشاهد ملفق من بيتين وردا في ديوان الأعشى و هما:
في فتي كسيوف الهند قد علموا
أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل
إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا
إنّا كذلك ما نحفى و ننتعل
ديوانه: ٥٩
و البيت الشاهد بالرواية التي أثبتها ابن الحاجب ورد منسوبا إلى الأعشى في الكتاب: ٢/ ١٣٧، ٣/ ١٦٤، ٣/ ٤٥٤، و أمالي ابن الشجري: ٢/ ٢، و الإنصاف: ١٩٩، و المقاصد للعيني: ٢/ ٢٨٧، و الخزانة: ٣/ ٥٤٧.