الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ١٣٩
قال: «و يجوز في مسألة السّمكة الوجوه الثلاثة».
و خصّ مسألة السّمكة دون «البارحة» [١] لما ذكرناه آنفا من أنّ العاطفة لا تكون إلّا مع آخر جزء لا مع ما يلاقيه، فلذلك أضرب عنها، و وجه وقوعها ابتدائيّة على أن يكون الخبر محذوفا، كأنّه قال: حتّى رأسها مأكول، و قد أباه بعض البصريّين، و ليس بالجيّد [٢] لقوّة الدّلالة على خصوصيّة الخبر المحذوف كما في سائر الأخبار المحذوفة، فلا وجه لمنعه، و الأولى ما اختاره [المصنّف] [٣].
ثمّ قال: «و «في» معناها الظّرفيّة».
قال الشيخ: ثمّ مثّل بظرفيّة محقّقة و ظرفيّة مقدّرة، و هو قوله: «نظر في الكتاب» و «سعى في الحاجة»، و قال: إنّها بمعنى «على» في قوله تعالى: وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [٤]، و إنّما حكم بأنّها بمعنى «على» لما في الكلام من معنى الاستعلاء، و الموضع صالح لهما على حسب ما يقصده المتكلّم من معنى الظّرفيّة و الاستعلاء [٥]، و كذلك ما كان مثله، تقول: «جلس في الأرض»، و «جلس على الأرض»، و منه قوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [٦]، و قال تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ [٧]، و أمّا نحو «جلست في الدّار» فهذا موضع «في» دون «على»، و الّذي يميّز بين موقعيهما أنّ كلّ ما كان فيه من معنى الاحتواء أو ما نزّل منزلته فهو موضع «في»، و كلّ ما كان فيه [٨] معنى الاستعلاء دون الظّرفيّة [٩] فهو موضع «على»، و كلّ ما
[١] أي: «نمت البارحة حتى الصباح».
[٢] انظر معاني الحروف: ١١٩، و الجنى الداني: ٥٥٣، و مغني اللبيب: ١٣٨.
[٣] سقط من الأصل. ط. و أثبته عن د.
[٤] طه: ٢٠/ ٧١، و الآية فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَ لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَ أَبْقى.
[٥] ذهب الكوفيون و المبرد إلى أن «في» في الآية بمعنى «على»، و قال البصريون: هي على بابها، انظر معاني القرآن للفراء: ٢/ ١٨٦، و المقتضب: ٢/ ٣١٩، و معاني الحروف: ٩٦، و الجنى الداني: ٢٥١، و مغني اللبيب: ١٨٣.
[٦] يونس: ١٠/ ٢٢، و تتمة الآية: وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ.
[٧] المؤمنون: ٢٣/ ٢٨، و تتمة الآية: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
[٨] في د: «في».
[٩] في د: «ظرفية».