مناهج اليقين في أصول الدين - العلامة الحلي - الصفحة ٦٠
البحث الثالث في العدم:
و هو بديهي التصور، و من استدل على بداهته بتوقف التصديق عليه لم يصب لما اسلفناه، هذا في العدم المضاف، و أما في العدم المطلق ففيه شك من حيث إن العدم المطلق لا تميز له و لا تعين فكيف يمكن توجه الإشارة العقلية نحوه.
و أيضا فإن العدم المطلق لو كانت [١] له ثبوت ذهني لكان داخلا تحت مقابله، و أيضا لو كان له ثبوت ذهني لا مكننا رفعه الذي هو أخص منه فيكون الجزءين مقابلا.
مسألة: المعدوم إما أن يكون ممتنع الثبوت و قد وقع الاتفاق على نفيه و إما أن يكون ممكن الثبوت، فالمحققون على أنه نفي محض لا ثبوت له عينا و هو ثابت في الذهن، و أما أبو هاشم و ابو علي و أتباعهما فزعموا أنه ثبات خارج الذهن، و هؤلاء قد جعلوا الثبوت أعم من الوجود [٢].
لنا: أن معنى الوجود و الثبوت هو الكون في الأعيان فلو كان المعدوم كائنا
[١] ب: كان.
[٢] القائلون بكون الثبوت واسطة بين الوجود و العدم و شيئية المعدوم هم جمع من اكابر المعتزلة نقله الشهرستاني عن غير واحد منهم و من جملتهم ابو علي و ابو هاشم الجبائيان و قال ان الخياط منهم غال في ذلك (الملل و النحل ج ١ ص ٧٧ و ٨٣)، و نقل الرازي القول بشيئية المعدوم عن ابي يعقوب الشحام و ابي علي الجبائي و ابي هاشم و ابي الحسين الخياط و ابي عبد اللّه البصري و ابي اسحاق بن عياش و القاضي عبد الجبار و تلامذته (محصل افكار المتقدمين و المتاخرين ص ٨٣).
و قد نفى الحكماء الواسطة بين الوجود و العدم و جعلوا الشيء مساوقا للوجود و تبعهم على ذلك متكلمي الشيعة و الاشاعرة (راجع: العلامة الحلي، كشف المراد ص ٣٥ و الايجي، المواقف ص ٥٦، و شرحه للجرجاني ج ٢ ص ١٨٩، و التفتازاني، شرح المقاصد ج ١ ص ٣٥٥)، و قد كشف العلامة هنا- مناهج اليقين- عن علة خطأ القائلين بشيئية المعدوم و هو انهم لم يعترفوا بالوجود الذهني- كما يأتي في المتن-.