مناهج اليقين في أصول الدين - العلامة الحلي - الصفحة ٥١٢
البحث الثالث في الإحباط و التكفير
لا خلاف بين المسلمين في أن الكفر يزيل استحقاق ثواب الطاعات السابقة، و الإيمان يزيل استحقاق العقاب السابق.
و إنما الخلاف في أنه هل يجوز اجتماع استحقاق الثواب و العقاب من غير أن يحبط أحدهما الآخر أم لا؟
و قبل الخوض في ذلك فاعلم أن الإحباط يراد به خروج الثواب و المدح المستحقين عن كونهما مستحقين بذم أو عقاب أكثر منهما لفاعل الطاعة، و التكفير هو خروج الذم و العقاب عن كونهما مستحقين بثواب و مدح لفاعل الصغير.
إذا عرفت هذا فنقول: جمهور المعتزلة على أنه لا يمكن اجتماع الاستحقاقين، و الحق عندي خلافه، و يدل عليه قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [١]، و قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [٢].
و اعلم أن المكلف إذا فعل خمسة أجزاء من الثواب ثم فعل فعلا آخر استحق به خمسة أجزاء من العقاب، فالطاري إما أن يحبط الأول و لا يزول هو في نفسه و هو قول بالإحباط، او يحبط الأول و يزول هو أيضا و هو قول أبي هاشم في الموازنة [٣].
[١] الزلزلة: ٧- ٨.
[٢] النساء: ١٢٣.
[٣] المراد بالموازنة- على ما فسرها القاضي عبد الجبار المعتزلي- هو أن يأتي المكلف بطاعة استحق عليها عشرة أجزاء من الثواب و بمعصية استحق عليها عشرين جزءا من العقاب. قال ابو هاشم: يقبح من اللّه تعالى أن يفعل من العقاب الا عشرة اجزاء، فاما العشرة الاخرى فانها تسقط بالثواب الذي قد