مناهج اليقين في أصول الدين - العلامة الحلي - الصفحة ٥٢٠
احدها: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ [١].
فنقول: هذا الغفران إما أن يكون مع التوبة أو بدونها، و الأول باطل للإجماع بأن الشرك مغفور على التوبة فالثاني حق، و لا يمكن أن يقال: إن عدم غفران الشرك مع عدم التوبة و غفران ما دون ذلك بها لخروج الكلام عن النظم الصحيح فلا يبقى للفصل معنى، و لأن الغفران مع التوبة واجب فلا يجوز تعليقه بالمشية.
لا يقال: الغفران هو الستر لا الإسقاط، و تحقيق الغفران في حق صاحب الذنب تأخير عقوبته الى يوم القيامة، و تحقيق عدمه في حق الكافر هو تعجيلها، و تحقيق هذا التأويل ما قبل الآية من قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ ثم عقب بعد ذلك بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، التقدير إن لم تؤمنوا فعلنا بكم كما فعلنا بأهل الكتاب من طمس الوجوه و المسخ.
سلمنا أن المراد السقوط، لكن يحتمل أن يكون السقوط اشارة الى بعض أنواع العقاب لا إلى جميع أنواعه، و نحن نقول بذلك، فإن عقاب الكافر أزيد من عقاب الفاسق فيحتمل أن يكون الساقط ذلك القدر الزائد من العقاب.
لأنا نجيب عن الاول، بوقوع الإجماع، على أن المراد بالغفران هاهنا [٢] السقوط، فإن الوعيدية تأولوا ذلك بالتائب او بمن زاد ثوابه على عقابه، و التفضلية حملوا ذلك على المضر، فعلم أنهم اتفقوا على ان المراد بالغفران السقوط.
و عن الثاني، ان المراد سقوط جميع أنواع العقاب و الّا لما بقي فرق بين الكافر و الفاسق، فإن الكافر لا يمكن أن يعذب بجميع أنواع العذاب.
[١] النساء: ٤٨.
[٢] الف: كلمة «هاهنا» ساقطة.