مناهج اليقين في أصول الدين - العلامة الحلي - الصفحة ١٠٥
و المثبتون قالوا: نحن نعلم بالضرورة انتقال الجسم من شيء الى غيره حين الحركة، و ليس ذلك الشيء جوهرا و لا كيفا و لا كمّا في ذاته و لا شيئا من المعاني الباقية حال الحركة، فلا بد من شيء آخر كان الجسم حاصلا فيه أوّلا ثم استبدل ثانيا و هو المسمى بالمكان.
و أيضا فإنا نجد الجسم يفارق و يعقبه آخر، و البديهة حاكمة بأن هذا المعاقب عاقب هذا الشيء في الحيز الذي ثبت للأول.
ثم أجابوا عن الأول: بأن المكان عرض حالّ في غير المتمكن فلا يلزم المحذور.
و عن الثاني: أن المساواة في الحقيقة غير معتبرة بل هي مستعملة هاهنا على سبيل المجاز و المعنى بها اختصاص المكان بالمتمكن حتى يكون مساويا لنهايته.
و عن الثالث: أن الشك إنما يلزم لو قيل الانتقال سواء كان بالذات او بالعرض يحوج الى المكان و ليس كذلك.
تذنيب: المثبتون للمكان من الأوائل اختلفوا في ماهيته، فذهب بعضهم إلى أنه الهيولى فإن الهيولى قابلة للتعاقب و المكان كذلك، و ذهب بعضهم الى أنه الصورة فإن الصورة حاوية و المكان كذلك.
و هذان المذهبان فاسدان، فإنّ المكان يفارقه المتمكن بالحركة و الشيء لا يفارق أجزائه، و ما احتجوا به فهو عقيم فإن الموجبتين في الشكل الثاني لا ينتج.
و المحققون من الأوائل اختلفوا، فذهب قوم الى أنه البعد [١]، فان بين طرفي
[١] و قد عبر عنهم الرازي باصحاب البعد و قال: ان اصحاب البعد منهم من زعم ان العلم بذلك ضروري و منهم من احتج على اثباته، و لهم في هذا الاحتجاج طريقان: اولهما ان يدلوا على اثبات مذهبهم بان المكان هو البعد، و آخرهما ان يحتجوا على فساد قول اصحاب السطح ثم