مناهج اليقين في أصول الدين - العلامة الحلي - الصفحة ٥٠٦
لا يقال: نمنع كونه عبثا على تقدير صحة الابتداء به، و ذلك لأن النفع المستحق آثر عند العاقل من النفع المتفضل به لما في الثاني من الغضاضة، فلعل اللّه تعالى قصد بالتكليف إيصال النفع الى المكلف على وجه لا يكون عليه فيه غضاضة، و لأن نعم اللّه تعالى كثيرة و هي أجل النعم من الإيجاد و الإحياء و الإقدار و غير ذلك، فيجب أن يكون الشكر في مقابلتها أعظم الشكر و ذلك هو العبادة، و لا شك أن من أنعم على غيره فشكره فإن الشاكر لا يستحق بذلك الشكر شيئا.
و أيضا يلزم أن من مات مرتدا يثاب ثواب المؤمن و التالي باطل فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن فعل الطاعة السابق إن كان سببا لاستحقاق الثواب مطلقا وجب بقائه بعد الرّدة لأن الإحباط باطل على ما سيأتي، و إن كان سببا بشرط الموافاة لزم أن يحصل المعلول حال عدم العلة لا حال وجودها.
لأنا نجيب عن الأول، بأن نعم اللّه لا يخلو منها أحد، و مع ذلك فإن أحدا من العقلاء لا يجد في نفسه غضاضة من تلك النعم و العلم به ضروري.
و عن الثاني، أن تكليف العبد الشكر بالعبادة عقيب النعمة عليه قبيح، و لهذا فإن العقلاء يذمون من كلف غيره الشكر على نعمة أنعمها عليه و قالوا: إنه أبطل نعمته.
و عن الثالث، أن الشرط ليس هو الموافاة بل هو الاستمرار على فعل الطاعة و الموافاة دليل على ذلك الاستمرار.
مسألة: اتفق اهل العدل على استحقاق العاصي العقاب بمعصيته، و خالفهم في ذلك الأشاعرة [١].
ثم اختلف العدلية فقالت المعتزلة و الزيدية و القائلون بالوعيد: إن العلم به عقلي.
[١] راجع: الإيجي، المواقف ص ٣٧٨، و شرحه ج ٨ ص ٣٠٧.