مناهج اليقين في أصول الدين - العلامة الحلي - الصفحة ٤٩٩
المستحسنة و كذلك باقي القوى، و المدرك بالقوة الوهمية إن كان ذلك ملائما لها كان ذلك هو اللذة كمن يتصور العلية و لو في أمر خسيس، و المدرك بالقوة العقلية يكون لا شك لذة أيضا.
قالوا: و هذه اللذة أقوى من غيرها، لأن نسبة اللذة الى اللذة كنسبة الإدراك إلى الإدراك و المدرك الى المدرك، و لما كان المدرك بالقوة الجسمانية إنما هو الأمور الظاهرة كالسطوح و الألوان، و المدرك بالقوة العقلية هو حقائق الأشياء و تفاصيلها و تميز بعضها من بعض كالاجناس من الفصول، كان هذا الإدراك أقوى من ذلك.
و أيضا فمدرك القوة العقلية هو واجب الوجود تعالى و غيره من الأمور الباقية و الطبائع الدائمة بخلاف مدرك القوة الجسمانية، فمدرك الأولى أشرف، فاللذة فيه أتم، و كذلك الألم العقلي يكون أشد من الألم الجسماني.
مسألة: قالوا: العقاب للنفس على خطيئتها هو كالمرض للبدن على نهمته [١]، و هذا النوع من العقاب إنما يحصل للنفس بسبب ملكاتها الردية الراسخة فيها.
و أما العقاب البدني فلا يتنكر [٢] وجوده، فإن التخويف في مبادي الأفعال الإنسانية حسن لنفعه في أكثر الأشخاص، و الإيفاء بذلك التخويف بتعذيب العاصي تاكيد للتخويف و مقتض لازدياد النفع، فهو أيضا حسن، و هذا العقاب انما هو شيء بالقياس الى ذلك المعذب و إن كان نافعا في حق أكثر أشخاص النوع، و لا يلتفت الى الجزئي كما لا يلتفت الى الجزء فيقطع العضو ليسلم البدن.
قيل: على هذا، القول بالقدر ينافي هذين العذرين.
[١] ب: نهمه. قال ابن فارس: النهم و النهامة: افراط الشهوة في الطعام و ان لا تمتلئ عين الآكل و لا تشبع (لسان العرب ج ١٢ ص ٥٩٣.
[٢] الف: يستنكر.