التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٣ - سورة البقرة(٢) آية ١٨٣
لأمر هذه الفريضة و ترغيب فيها.
قال: أبهم اللّه هؤلاء الّذين من قبلنا. و المعروف أنّ الصوم مشروع في جميع الملل حتّى الوثنيّة، فهو معروف عن قدماء المصريّين في أيّام وثنيّتهم، و انتقل منهم إلى اليونان، فكانوا يفرضونه لا سيّما على النساء. و كذلك الرومانيّون كانوا يعنون بالصيام. و لا يزال وثنيّو الهند و غيرهم يصومون إلى الآن.
و ليس في أسفار التوراة الّتي بين أيدينا ما يدلّ على فريضة الصيام، و إنّما فيها مدحه و مدح الصائمين.[١] و ثبت أنّ موسى عليه السّلام صام أربعين يوما[٢]. و هو يدلّ على أنّ الصوم كان معروفا مشروعا و معدودا من العبادات. و اليهود اليوم يصومون أسبوعا تذكارا لخراب أورشليم و أخذها.
و يصومون يوما من شهر آب.
قال السيّد رشيد رضا: و ينقل أنّ التوراة فرضت عليهم صوم اليوم العاشر من الشهر السابع، و أنّهم يصومونه بليلته. و لعلّهم كانوا يسمّونه عاشوراء. و لهم أيّام أخر يصومونها نهارا.
قال الشيخ: و أمّا النصارى فليس في أناجيلهم المعروفة نصّ في فريضة الصوم، و إنّما فيها ذكره و مدحه و اعتباره عبادة، كالنهي عن الرياء و إظهار الكآبة فيه، بل تأمر الصائم بدهن رأسه و غسل الوجه حتّى لا تظهر عليه أمارة الصيام فيكون مرائيا كالفرّيسيّين[٣]. و أشهر صومهم و أقدمه الصوم الكبير الّذي قبل عيد الفصح، و هو الّذي صامه موسى و كان يصومه عيسى عليهما السّلام و الحواريّون.
ثمّ وضع رؤساء الكنيسة ضروبا أخرى من الصيام، و فيها خلاف بين المذاهب و الطوائف. و منها صوم عن اللحم[٤]، و صوم عن السمك، و صوم عن البيض و اللبن. و كان الصوم المشروع عند الأوّلين منهم كصوم اليهود، يأكلون في اليوم و الليلة مرّة واحدة، فغيّروه و صاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار، و في قصّتي زكريّا و مريم عليهما السّلام أنّهم كانوا يصومون عن الكلام، أي مع الصيام
[١] راجع: قاموس الكتاب المقدّس لجيمز هاكس: ٤٢٧- ٤٢٨.
[٢] راجع: سفر التثنية( أ ص ٩: ٩).
[٣] جماعة كان دأبهم التقشّف و التزهّد في الحياة، إلى حدّ انعزالهم عن الجماعة، فكانوا يسمّون: المنعزلين. راجع:
قاموس الكتاب المقدّس: ٦٥٢. على حدّ الصوفيّة و الدراويش عندنا.
[٤] و كان صوما شديد الكراهيّة. قاموس الكتاب المقدس: ٤٢٨.