التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣ - الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم عليه السلام
عهدا من اليهوديّة و النصرانية .. إذن تلك فضيحة عارمة.
قُلْ أَ أَنْتُمْ مع هذا الجهل المفرط أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ الذي لا يعزب عن علمه شيء؟!
و هذا سؤال لا جواب لهم عليه! و فيه من الاستنكار ما يقضي بالخجل و التراجع عن الجواب.
و لكنّه كتمان عن الشهادة بالحقّ: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. نعم تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ.
هذا هو الفاصل بين رفعة تلكم الآباء و ضعة هؤلاء الأحفاد. و في ذلك فصل الخطاب و نهاية الجدل، و الكلمة الأخيرة في تلك الدعاوي الفارغة و لكنّها العريضة بلا طائل.
الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم عليه السّلام
و الكلمات: الكلام الذي أوحى اللّه به إلى إبراهيم، إمّا إلهاما في شعور باطنه أو وحيا مباشريّا ألقاه في روعه. إذ الكلمة لفظ يدلّ على معنى و المراد: الوظائف الإنسانيّة الكريمة التي توحيها الفطرة السليمة أو التي تتلقّاها الأنفس الكريمة من وحي السماء.
فإبراهيم الخليل- بفطرته الذاتيّة أوّلا و بوحي السماء في امتداد حياته- قام بأعمال جسام و وقف مواقف مشهودة، جرّبته بها الأيّام، إنسانا شهما عريقا في شعور إنسانيّته النبيلة و آهلته للنيل بمقام محمود عند اللّه مدى الدهر.
أمّا و ما هي هذه الكلمات و هذه المواقف التي جعلت إبراهيم الخليل؟
تكفيك مراجعة تاريخ حياته منذ أن بزغ إلى الوجود، من طفولته فريعان شبابه فكهولته و حتّى أيّام المشيب .. تجده ملأ حياته الحيويّة و النشاط و التضحية في سبيل إعلاء كلمة اللّه في الأرض، حتّى أصبح لوحده أمّة: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً[١]. نعم هو لوحده أمّة، حيث إنّه منطلق أمّة قانتة للّه تعالى عبر الزمان، و منبعث شريعة حنيفة بيضاء على صفحات التاريخ مدى الدهر ..
وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ[٢].
و هذه الكلمات هي أوامره تعالى و نواهيه، منها الفطريّة و منها بإيحاء. و إبراهيم عليه السّلام قام بإنجازها كملا و من غير توان قياما لا هوادة فيه و لا فتور. فَأَتَمَّهُنَّ: وفّى بهنّ أحسن وفاء
[١] النحل ١٦: ١٢٠.
[٢] الزخرف ٤٣: ٢٨.