التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٥٥ الى ١٥٧
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٥ الى ١٥٧]
وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)
و إذ جاء ذكر الشهداء و رفيع منزلتهم عند اللّه كانت المناسبة تستدعي المضيّ في بيان التعبئة لمواجهة الأحداث- و هي متوافرة في هذه الحياة- و في تقويم التصوّر لحقيقة الأحداث- و لعلّ وراءها مصلحة و حكمة و من ثمّ فإنّ البلاء موكّل بالأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل[١] فلا بدّ من تربية النفوس بالبلاء، و من امتحان التصميم على معركة الحقّ بالمخاوف و الشدائد، و بالجوع و نقص الأموال و الأنفس و الثمرات لا بدّ من هذا البلاء ليؤدّي المؤمنون تكاليف العقيدة، كي تعزّ على نفوسهم بمقدار ما أدّوا في سبيلها من تكاليف. أمّا العقائد الرخيصة الّتي لا يؤدّي أصحابها تكاليفها لا يعزّ عليهم التخلّي عنها عند الصدمة الأولى. فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الّذي تعزّ به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعزّ في نفوس الآخرين.
نعم، لا بدّ من البلاء، ليصلب عود أصحاب العقيدة و يقوى. فالشدائد تستجيش مكنون القوى و مذخور الطاقة، و تفتح في القلب منافذ و مسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلّا تحت مطارق الشدائد. و القيم و الموازين و التصوّرات ما كانت لتصحّ و تدقّ و تستقيم إلّا في جوّ المحنة الّتي تزيل الغبش عن العيون و الران عن القلوب!
و أهمّ من هذا كلّه، أو القاعدة الأساسيّة لهذا كلّه، الالتجاء إلى اللّه وحده، حين تهتزّ الأسناد كلّها، و تتوارى الأوهام و هي شتّى، و يخلو القلب إلى اللّه وحده، لا يجد سندا إلّا سنده. و في هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات، و تنفتح البصيرة، و ينجلي الأفق على مدّ البصر، لا شيء إلّا اللّه، لا قوّة
[١] البحار ١١: ٦٩/ ٢٩؛ مسند أحمد ١: ١٧٢؛ الكافي ٢: ٢٥٩/ ٢٩؛ النسائي ٤: ٣٥٢/ ٧٤٨١؛ علل الشرائع ١: ٤٤/ ١، باب ٤٠.