التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٥ - سورة البقرة(٢) آية ١٧٧
و الإيمان باليوم الآخر، هو الإيمان بالعدالة الإلهية المطلقة في الجزاء و بأنّ الحياة على هذه الأرض ليست سدى و لا فوضى بغير ميزان، و بأنّ الخير لا يعدم جزاؤه و لو بدا أنّه في هذه الأرض لا يلقى الجزاء. كما أنّها ليست محدودة بأمد قصير، و إنّما هي حركة دائبة في طول مسير.
و الإيمان بالملائكة طرف من الإيمان بالغيب، الّذي هو مفرق الطريق بين إدراك الإنسان و إدراك الحيوان. كما أنّه إيمان بأنّ هناك وراء الحسّ المشهود، عالما ملؤه الحيويّة الفعّالة، و ربما كانت هي الّتي تمدّ الحياة هذه على وجه الأرض! فلا غنا للحياة هذه إذا لم تستمدّ من تلك الحياة العليا، و ملؤها القوى العاملة تحت رعاية اللّه ربّ العالمين.
و الإيمان بالكتاب و النبيّين هو الإيمان بالرسالات جميعا و بالرسل جميعا. و إذعان بتحقّق الوعد الّذي وعد اللّه هذا الإنسان منذ هبط إلى الأرض أن لا يتركه هملا بلا رعاية و لا عناية ليئنّ تحت هواجسه خائفا وجلا؛ بل عطف عليه بفضله و إحسانه، و أرسل إليه رسله تترى بالآيات و البيّنات، و أوضح له الطريق و الهدى إلى السعادة و السّلام.
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ[١].
*** تلك ناحية الإيمان و موضعها الخطير في حياة الإنسان.
و هناك ناحية أخرى تلازم الإيمان الخالص للّه تعالى شأنه و هو الإيثار في سبيله تعالى بالمال و الإسعاف بحاجة الآخرين، و في ذلك إشعار بالتضامن و التكافل في محيط الجماعة المسلمة.
و في قوله تعالى: عَلى حُبِّهِ دلالة على مبلغ أهميّة هذا الإيثار، حيث مع تمكّن حبّ المال في النفوس و الاعتزاز به، مع ذلك يبسط المؤمن يده في البذل في سبيل حبّ الإنسانيّة العليا، و الّتي هي أرقى من حبّ الذات شخصيّا.
نعم قيمة إيتاء المال و الإيثار به هي الانعتاق من ربقة الحرص و الشحّ و الضعف و الأثرة. انعتاق الروح من حبّ المال الّذي يكاد يقبض الأيدي عن الإنفاق، و يقبض النفوس عن الأريحيّة، و يقبض الأرواح عن الانطلاق، فهي قيمة روحيّة يشير إليها ذلك النصّ على حبّ المال!!
ثمّ هي قيمة إنسانيّة عليا في محيط الجماعة.
[١] البقرة ٢: ٣٨.