التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٩ - مظان الحاجة إلى الصبر
شاقّة على النفس مطلقا!
ثمّ من العبادات ما يكره بسبب الكسل كالصلاة، و منها ما يكره بسبب البخل كالزكاة، و منها ما يكره بسببهما جميعا كالحجّ و الجهاد. فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد.
و يحتاج المطيع إلى الصبر على طاعته في ثلاث أحوال: الأولى قبل الطاعة، و ذلك في تصحيح النيّة و الإخلاص، و الصبر عن شوائب الرياء و دواعي الآفات، و عقد العزم على الإخلاص و الوفاء. و ذلك من الصبر الشديد عند من يعرف حقيقة النيّة و الإخلاص و آفات الرياء و مكايد النفس. و قد نبّه عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ قال:
[٢/ ٣٨٥٨] «إنّما الأعمال بالنيات و إنّما لكلّ امرئ ما نوى»[١] و قال تعالى: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[٢]. و لهذا قدّم اللّه تعالى الصبر على العمل فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ[٣].
الحالة الثانية: حالة العمل، كي لا يغفل عن اللّه في أثناء عمله و لا يتكاسل عن تحقيق آدابه و سننه و يدوم على شرط الأدب إلى آخر العمل فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ، و هذا أيضا من شدائد الصبر و لعلّه المراد بقوله تعالى: نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ. الَّذِينَ صَبَرُوا[٤] أي صبروا إلى تمام العمل.
الحالة الثالثة: بعد الفراغ من العمل، إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه و التظاهر به للسمعة و الرياء، و الصبر عن النظر إليه بعين العجب، و عن كلّ ما يبطل عمله و يحبط أثره، كما قال تعالى: وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ[٥] و كما قال تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى[٦] فمن لا يصبر بعد الصدقة عن المنّ و الأذى فقد أبطل عمله.
و الطاعات تنقسم إلى فرض و نفل، و هو محتاج إلى الصبر عليهما جميعا، و قد جمعهما اللّه تعالى في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى[٧] فالعدل هو الفرض، و الإحسان
[١] البخاري ١: ٢؛ ابن ماجة ٢: ١٤١٣/ ٤٢٢٧.
[٢] البيّنة ٩٨: ٥.
[٣] هود ١١: ١١.
[٤] العنكبوت ٢٩: ٥٨- ٥٩.
[٥] محمّد ٤٧: ٣٣.
[٦] البقرة ٢: ٢٦٤.
[٧] النحل ١٦: ٩٠.