التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥٣ - تأويلات فارغة
الشهور، و ليس المراد أنّ ثواب الطاعة في غيرهما ينقص، و إنّما المراد رفع الحرج عمّا عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم، لاختصاصهما بالعيدين، و جواز احتمال وقوع الخطاء فيهما، و من ثمّ قال:
شهرا عيد، بعد قوله: شهران لا ينقصان. و لم يقتصر على قوله: رمضان و ذو الحجّة.
قال ابن حجر: و في الحديث حجّة لمن قال: إنّ الثواب ليس مرتّبا على وجود المشقّة دائما، بل للّه أن يتفضّل بإلحاق الناقص بالتامّ في الثواب. و استدلّ بعضهم لمالك في اكتفائه لرمضان بنيّة واحدة، قال: لأنّه جعل الشهر بجملته عبادة واحدة، فاكتفي له بالنيّة. و هذا الحديث يقتضي أنّ التسوية في الثواب بين الشهر الناقص و الشهر التامّ إنّما هو بالنظر إلى جعل الثواب متعلّقا بالشهر من حيث الجملة، لا من حيث تفضيل الأيّام[١].
*** تلك كلّ محاولات القوم في توجيه و تأويل حديث تمام رمضان، علّه يتوافق مع المعقول من كلام صادر عن منبع حكيم! و لكن هيهات، و قد قيل قديما: إذا كثر الجواب خفي الصواب، الأمر الّذي يشي بغمز في أصل الصدور.
فلقد كان تركه على عواهنه أولى من ركوب صعاب بلا جدوى؛ الأمر الّذي تنبّه له علماؤنا الأعلام، فتركوا التكلّف فيما لا طائل تحته. و سنتعرّض لذلك.
هذا و قد صحّ الحديث بأنّ شهر رمضان ينقص و يتمّ كسائر الشهور، الأمر الّذي يوافق المعقول المشهود، و يتقدّم- بطبيعة الحال- على حديث مريب.
[٢/ ٤٩٣٠] روى أصحاب السنن جميعا بالإسناد إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إنّ الشهر- شهر رمضان- يكون تسعا و عشرين». و كذا بالإسناد إلى أمّ سلمة، و عائشة و سعد بن أبي وقّاص و غيرهم، عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أطبقوا على ذلك من غير خلاف. و قد عقد مسلم بابا في صحيحه، ترجمه بباب الشهر يكون تسعا و عشرين[٢]. و كذا غيره من كتب الصحاح.
*** و هكذا جاء في روايات أصحابنا عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام، أنّ شهر رمضان، شهر من الشهور،
[١] فتح الباري ٤: ١٠٦- ١٠٨.
[٢] مسلم ٣: ١٢٥- ١٢٦.