التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٤ - وقفة قصيرة
و في الحديث: «يا باغي الخير هلمّ». و في التنزيل وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ[١] أي لا تتجاوزهم إلى غيرهم. فالكلام في تحديد الضرورة و تمام بيان حكم ما يحلّ و يحرم من الأكل، لا في السياسة و عقوبة الخارجين على الدولة و المؤذين للأمّة. و إنّما كان هذا التحديد لازما لئلّا يتّبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار، إذا هو وكل إليهم بلا حدّ و لا قيد، فيزعم هذا أنّه مضطرّ و ليس بمضطرّ، و يذهب ذلك بشهوته إلى ما وراء حدّ الضرورة.
فعلم من قوله: غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ كيف تقدّر الضرورة بقدرها. و الأحكام عامّة يخاطب بها كلّ مكلّف، لا يصحّ استثناء أحد إلّا بنصّ صريح من الشارع[٢].
و حاول سيّدنا العلّامة الطباطبائي الجمع بين الأقوال و مختلف الروايات، بأنّها من قبيل عدّ المصاديق، نظرا لعموم مفهوم الآية حسب استفادته رحمه اللّه قال: و الجميع من قبيل عدّ المصاديق، و هي تؤيّد ما استفدناه من ظاهر اللفظ. فقد فسّر قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ بكونه غير ظالم و لا متجاوز حدّه، بمفهومهما العام .. قال: و أمّا لو اضطرّ في حال البغي و العدوّ، كأن يكونا هما الموجبين للاضطرار، فلا يجوز له ذلك[٣].
و هكذا ذكر المحدّث الشيخ حرّ العاملي: أن لا منافاة بين التفسيرات، و لا بعد في دخول المعاني في الآية[٤].
قلت: لو كنّا نحن و ظاهر سياق الآية، فالمستفاد منها: أنّه مبدأ عامّ ينصبّ على هذه المحرّمات، و لكنّه بإطلاقه يصحّ أن يتناول سواها في سائر المقامات؛ فأيّما ضرورة ملجئة يخشى منها على الحياة، فلصاحبها أن يتفادى هذا الحرج بتناول المحظور في الحدود الّتي تدفع هذه الضرورة و لا زيادة[٥].
أمّا الّذي جاء في الروايات و في سائر الأقوال، فلا يشبه أن يكون تفسيرا للآية في سياقها العامّ، اللّهمّ إلّا أن يراد الاستطراد و بيان وجه الاشتراك في الحكم، لا تفسير الآية بالذات.
[١] الكهف ١٨: ٢٨.
[٢] المنار ٢: ٩٩.
[٣] الميزان ١: ٤٣٤- ٤٣٥.
[٤] وسائل الشيعة ٢٤: ٢١٧.
[٥] راجع: في ظلال القرآن، المجلّد الأوّل: ٢٢٢.