التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٢٤ الى ١٤١
تلك كانت وصيّة إبراهيم و حفيده يعقوب، الوصيّة التي كرّرها يعقوب في آخر لحظة من لحظات حياته، و التي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه الموت و سكراته، فليسمعها بنو إسرائيل: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
إنّه لمشهد عظيم الدلالة، قويّ الإيحاء، عميق التأثير، ما هي القضيّة التي كانت تشغل بال ميّت محتضر في تلك الساعة الحرجة؟ ما هو الأمر الجلل الذي يريد أن يطمئنّ عليه و يستوثق منه؟ ما هي التركة التي يريد أن يخلّفها لأبنائه و يحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلّمها لهم في محضر يسجّل فيه كلّ التفصيلات؟
نعم، إنّها العقيدة الصافية الخالصة، و التي تجعل من الحياة زاهية لامعة مع الأبد.
و بعد فها هي الفرصة سانحة لتبلور تلك العقيدة و تخليصها من كدورات علتها عبر الزمان، فقد جاءهم الرسول الذي يجدّد دعوتهم إلى الإسلام و الاستسلام المحض، و هو ثمرة الدعوة التي دعاهم إبراهيم عليه السّلام.
*** و في ضوء هذا التقرير يظهر الفارق الحاسم بين تلك الأمّة التي أخذت بوصيّة إبراهيم و يعقوب، و قد خلت و هذا الجيل الحاضر الذي حاول نبذ الوصيّة و تركها في غياهب النسيان فلا مجال لنسب بين السابقين و اللاحقين:
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ من مفاخر و مواقف محمودة. وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ من مآثم و مواضع ممقوتة. فلكلّ حساب، و لكلّ عقيدة و عمل كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ[١] فكان النتاج: أن ليست هذه الأعقاب امتدادا لأولئك الأسلاف، و لا صلة تربطهما، و لا علاقة تجمعهما، لا في المسيرة و لا في الاتّجاه.
*** و في ظلّ هذا البيان التاريخي الحاسم، لقصّة العهد مع إبراهيم، و قصّة البيت الحرام كعبة للمسلمين، و لحقيقة الوراثة و حقيقة الدين؛ يناقش ادّعاءات أهل الكتاب المعاصرين لنزول
[١] الإسراء ١٧: ٨٤.