التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٧ - حقيقة الصبر و معناه
يعرفه الإنسان كالمرض النازل به مثلا، و لكن لا قدرة له على دفعه! فافتقر إلى قدرة و قوّة يدفع بها في نحر الشهوات فيجاهدها بتلك القوّة حتّى يقطع عداوتها عن نفسه، فوكّل اللّه تعالى به ملكا آخر يسدّده و يؤيّده و يقويه بجنود لم تروها، و أمر هذا الجند بقتال جند الشهوة، فتارة يضعف هذا الجند و تارة يقوى ذلك بحسب إمداد اللّه تعالى عبده بالتأييد، كما أنّ نور الهداية أيضا يختلف في الخلق اختلافا لا ينحصر.
فلنسمّ هذه الصفة الّتي بها فارق الإنسان البهائم في قمع الشهوات و قهرها: باعثا دينيّا، و لنسمّ مطالبة الشهوات بمقتضياتها: باعث الهوى. و ليفهم أنّ القتال قائم بين باعث الدين و باعث الهوى، و الحرب بينهما سجال، و معركة هذا القتال قلب العبد. و مدد باعث الدين من الملائكة الناصرين لحزب اللّه، و مدد باعث الشهوة من الشياطين الناصرين لأعداء اللّه. فالصبر عبارة عن ثبات الدين في مقابلة باعث الشهوة. فإن ثبت حتّى قهره و استمرّ على مخالفة الشهوة فقد نصر حزب اللّه و التحق بالصابرين، و إن تخاذل و ضعف حتّى غلبته الشهوة و لم يصبر في دفعها التحق بأتباع الشياطين.
فإنّ ترك الأفعال المشتهاة عمل يثمره حال يسمّى: الصبر، و هو ثبات باعث الدين الّذي هو في مقابلة باعث الشهوة. و ثبات باعث الدين حال تثمرها المعرفة بعداوة الشهوات و مضادّتها لأسباب السعادات في الدنيا و الآخرة. فإذا قوي يقينه- أعني المعرفة الّتي تسمّى إيمانا و هو اليقين بكون الشهوة عدوّا قاطعا لطريق اللّه تعالى- قوي ثبات باعث الدين، و إذا قوي ثباته تمّت الأفعال على خلاف ما تتقاضاه الشهوة، فلا يتمّ ترك الشهوة إلّا بقوّة باعث الدين المضادّ لباعث الشهوة. و قوّة المعرفة و الإيمان تقبح مغبّة الشهوات و سوء عاقبتها. و هذا الملكان هما المتكفّلان بهذين الجندين بإذن اللّه تعالى و تسخيره إيّاهما و هما من الكرام الكاتبين، و هما الملكان الموكّلان بكلّ شخص من الآدميين. و إذا عرفت أنّ رتبة الملك الهادي أعلى من رتبة الملك المقوّي لم يخف عليك أنّ جانب اليمين هو أشرف الجانبين من جنبتي الدست، الّذي ينبغي أن يكون مسلما له. فهو إذن صاحب اليمين و الآخر صاحب الشمال.
و للعبد طوران في الغفلة و الفكر و في الاسترسال و المجاهدة. فهو بالغفلة معرض عن صاحب اليمين و مسيء إليه فيكتب إعراضه سيّئة، و بالفكر مقبل عليه ليستفيد منه الهداية فهو به محسن