التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٧ - مظان الحاجة إلى الصبر
بل ذلك أيضا لا يخرج عن مقام الرضا، فالمقدم على الحجامة و الفصد راض به و هو متألّم بسببه لا محالة، و قد تفيض عيناه إذا عظم ألمه.
و كتب ابن أبي نجيح يعزّي بعض الخلفاء: إنّ أحقّ من عرف حقّ اللّه تعالى فيما أخذ منه، من عظم حقّ اللّه تعالى عنده فيما أبقاه له، و اعلم أنّ الماضي قبلك هو الباقي لك و الباقي بعدك هو المأجور فيك. و اعلم أنّ أجر الصابرين به فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه.
فإذن مهما دفع الكراهة بالتفكّر في نعمة اللّه تعالى عليه بالثواب، نال درجة الصابرين. نعم من كمال الصبر كتمان المرض و الفقر و سائر المصائب. و قد قيل: من كنوز البرّ كتمان المصائب و الأوجاع و الصدقة.
فقد ظهر لك بهذه التقسيمات أنّ وجوب الصبر عامّ في جميع الأحوال و الأفعال، فإنّ الّذي كفى الشهوات كلّها و اعتزل وحده لا يستغني عن الصبر على العزلة و الانفراد ظاهرا، و عن الصبر عن وساوس الشيطان باطنا. فإنّ اختلاج الخواطر لا يسكن. و أكثر جولان الخواطر إنّما يكون في فائت لا تدارك له أو في مستقبل لا بدّ أن يحصل منه ما هو مقدّر، فهو كيفما كان تضييع زمان. و آلة العبد قلبه و بضاعته عمره، فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيد به أنسا باللّه تعالى أو عن فكر يستفيد به معرفة باللّه تعالى ليستفيد بالمعرفة محبّة اللّه تعالى فهو مغبون، هذا إن كان فكره و وسواسه في المباحات مقصورا عليه، و لا يكون ذلك غالبا، بل يتفكّر في وجوه الحيل لقضاء الشهوات، إذ لا يزال ينازع كلّ من تحرّك على خلاف غرضه في جميع عمره، أو من يتوهّم أنّه ينازعه و يخالف أمره أو غرضه بظهور أمارة له منه، بل يقدر المخالفة من أخلص الناس في حبّه حتّى في أهله و ولده، و يتوهّم مخالفتهم له، ثمّ يتفكّر في كيفيّة زجرهم، و كيفيّة قهرهم و جوابهم عمّا يتعلّلون به في مخالفته، و لا يزال في شغل دائم، فللشيطان جندان: جند يطير و جند يسير، و الوسواس عبارة عن حركة جنده الطيّار، و الشهوة عبارة عن حركة جنده السيّار. و هذا لأنّ الشيطان خلق من النار، و خلق الإنسان من صلصال كالفخّار، و الفخّار قد اجتمع فيه مع النار الطين، و الطين طبيعته السكون و النار طبيعتها الحركة، فلا يتصوّر نار مشتعلة لا تتحرّك بل لا تزال تتحرّك بطبعها. و قد كلّف المخلوق من النار أن يطمئنّ عن حركته ساجدا لما خلق اللّه من الطين، فأبى