التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٦ - مظان الحاجة إلى الصبر
فاعلم أنّه إنّما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع و شقّ الجيوب و ضرب الخدود و المبالغة في الشكوى و إظهار الكآبة و تغيير العادة في الملبس و المفرش و المطعم، و هذه الأمور داخلة تحت اختياره، فينبغي أن يجتنب جميعها و يظهر الرضا بقضاء اللّه تعالى و يبقى مستمرا على عادته و يعتقد أنّ ذلك كان وديعة فاسترجعت.
[٢/ ٣٨٧٩] كما روي عن الرّميصاء أمّ سليم أنّها قالت: توفّي ابن لي و زوجي أبو طلحة غائب فقمت فسجّيته في ناحية البيت، فقدم أبو طلحة فقمت فهيّأت له إفطاره فجعل يأكل فقال: كيف الصبيّ فقلت: بأحسن حال بحمد اللّه و منّه، فإنّه لم يكن منذ اشتكى خيرا منه اللّيلة. ثمّ تصنّعت له أحسن ما كنت أتصنّع قبل ذلك حتّى أصاب منّي حاجته، ثمّ قلت: أ لا تعجب من جيراننا! قال: ما لهم؟ قلت: أعيروا عارية فلمّا طلبت منهم و استرجعت جزعوا! فقال: بئس ما صنعوا! فقلت: هذا ابنك كان عارية من اللّه تعالى و إنّ اللّه قد قبضه إليه، فحمد اللّه و استرجع، ثمّ غدا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأخبره، فقال: «اللّهمّ بارك لهما في ليلتهما»[١] قال الراوي: فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة كلّهم قد قرءوا القرآن.
[٢/ ٣٨٨٠] و روى جابر أنّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «رأيتني دخلت الجنّة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة».
و قد قيل: الصبر الجميل هو أن لا يعرف صاحب المصيبة من غيره، و لا يخرجه عن حدّ الصابرين توجّع القلب و لا فيضان العين بالدمع، إذ يكون من جميع الحاضرين لأجل الموت سواء، و لأنّ البكاء توجّع القلب على الميّت، فإنّ ذلك مقتضى البشريّة و لا يفارق الإنسان إلى الموت.
[٢/ ٣٨٨١] و لذلك لمّا مات إبراهيم ولد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاضت عيناه! فقيل له: أ ما نهيتنا عن هذا؟
فقال: «إنّ هذه رحمة و إنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء»[٢].
[١] مسند أحمد ٣: ٢٨٧؛ الكبير ٢٥: ١١٦ و الرميصاء بضم الراء صحابيّة.
[٢] رواه البزّار و الطبراني من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: بعثت ابنة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ ابنتي مغلوبة فقال للرسول:
قل لها إنّ للّه ما أخذ و له ما أعطى ثمّ بعثت إليه ثانية فقال لها مثل ذلك، ثمّ بعثت إليه الثالثة فجاءها في ناس من أصحابه فأخرجت إليه الصبيّة و نفسها تقعقع( أي تضطرب) في صدرها، فرقّ عليها فذرفت عيناه ففطن به بعض أصحابه و هم ينظرون إليه حين ذرفت عيناه، فقال:« ما لكم تنظرون رحمة اللّه يضعها حيث يشاء إنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء».
راجع: مسند أحمد ٥: ٢٠٤ و البخاري ٢: ٨٠ و مجمع الزوائد ٣: ١٨. و ما عثرت على لفظ ما نقله المصنّف.