التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٥ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٤٢ الى ١٥٢
كلّ أمر اعتباري كانت المصلحة تنوط بذات الاعتبار محضا.
و إذ كان الأمر على ذلك فالاتّجاه إلى أيّ جهة، اتّجاه إلى اللّه، حيث لا يحجزه مكان و لا يخلو منه مكان.
و من ثمّ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فالعمدة اتّباع الأمر و الانصياع للتكليف الموظّف و الطاعة و الاستسلام لأوامره تعالى، و الكلّ هادية إلى سبيل الرشاد.
فالجهات و الأماكن لافضل لها ذاتيّا، إنّما يفضّلها و يخصّصها اختيار اللّه و توجيهه. و اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
*** ثمّ ينتقل الحديث إلى بيان حقيقة هي أفخم و أضخم، و هي ما تحمله هذه الأمّة من رسالة خالدة إلى سائر الأمم جميعا و مع الأبد. و هذه هي الفضيلة الكبرى الّتي منح اللّه لهذه الأمّة تكريما لها و تعزيزا لجانبها. و هي وظيفتها الضخمة في هذه الأرض، و مكانتها العظيمة في ركب البشريّة السائرة إلى الأمام، و من ثمّ فهي تلعب دورها الأساسي في حياة الناس!
وَ كَذلِكَ أي بهذا النمط من الاستعداد الذاتي و الاستقلال في العقيدة و السلوك جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ عرفاء يتحمّلون مسئوليّة إقامة العدل بين الناس وَ يَكُونَ الرَّسُولُ بدوره عَلَيْكُمْ شَهِيداً مسئولا عنكم في أداء رسالة اللّه إليكم بتمام و كمال.
نعم إنّها الأمّة الوسط الّتي تشهد على الأمم جميعا، فتقيم بينهم العدل و القسط، و تضع لهم معايير و قيما، و تبدي فيهم رأيها، ليكون هو الرأي المعتمد عند الناس جميعا. فتزن بها قيمهم و تصوّراتهم و تقاليدهم و شعاراتهم، فتفصل في أمرها، و تقول: هذا حقّ و هذا باطل. لا الّتي تتلقّى من الناس تصوّراتها و قيمها و موازينها. فهي شهيدة على الناس و مسئولة بالقيام ببسط العدل بينهم.
و بينما هي تشهد على الناس و تتحمّل مسئوليّة العدل بينهم، إذا هم في مرأى و مسمع نبيّهم و خلفائه المرضيّين، فيشهدون مواضع الأمّة في أداء رسالة اللّه في الأرض.
نعم إنّها الأمّة الوسط بكلّ معاني الكلمة: وسط لإقامة العدل بين الناس. و وسط في التصوّر و الاعتقاد. لا تغلو في التجرّد الروحي و لا تبالغ في الارتكاس المادي. و وسط في التفكير و الشعور. لا تجمد على ظاهر التعبير لتغلق منافذ المعرفة. و لا تتّبع كلّ ناعق أو تقلّد تقليد القردة.