التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٤٢ الى ١٥٢
الحديث في هذا المقطع من الآيات يكاد يدور حول حادث تحويل القبلة، و الملابسات الّتي أحاطت به، و الدسائس الّتي حاولها اليهود لغرض الوهن في الصفّ المسلم المتراصّ، محاولة بالمناسبة. و أقاويل أطلقوها من غير هوادة. فجاءت الآيات علاجا لآثار تلك الأقاويل و الدسائس، و طردها عن هواجس نفوس بعض المسلمين، و لتثبيت اليقين في الصفّ المسلم عموما.
كان المسلمون في مكّة يتّجهون إلى بيت المقدس اتّجاها يجعل الكعبة حيالهم حين التوجّه إلى القدس. لكنّهم بعد الهجرة كان الاتّجاه نحو القدس يحول دون مواجهة الكعبة. و دام ذلك حوالي ستّة عشر أو سبعة عشر شهرا بعد الهجرة. و كان ذلك صعبا على العرب و على المسلمين، حيث مفارقة البيت العتيق!
و قد كان التوجّه إلى بيت المقدس و هو قبلة أهل الكتاب كاد يحزّ من نفوس المسلمين، كما كان يستفزّ استكبار أهل الكتاب ليروا في ذلك اعتلاء شريعتهم و ليتّخذوه ذريعة لرفض الإسلام.
نعم كان الأمر شاقّا على المسلمين العرب، الّذين ألفوا أن يعظّموا البيت الحرام و أن يجعلوه قبلتهم، و زاد الأمر مشقّة ذاك التبجّج من اليهود و اتّخاذهم ذلك حجّة عليهم.
كما كان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقلّب وجهه في السماء متّجها إلى ربّه، دون أن ينطق لسانه بشيء، تأدّبا مع اللّه، و انتظارا للفرج و الخروج من هذه العسرة، بما يرضاه و يرتضيه ربّ العالمين.
ثمّ نزل القرآن يستجيب لما يعتمل في صدر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
و حينما سمع المسلمون بهذا التحويل ازداد فرحهم و عاد الأمل في نفوسهم، و كان بعضهم في منتصف الصلاة فحوّلوا وجوههم شطر المسجد الحرام في أثناء صلاتهم، و أكملوا الصلاة تجاه القبلة الجديدة.
عندئذ انطلقت أبواق اليهود- و قد عزّ عليهم هذا التحوّل المفاجئ- كما فقدوا حجّتهم الّتي كانوا يركنون إليها في تعاظم شريعتهم و التهوين بموضع المسلمين. انطلقت تلقي في صفوف المسلمين و قلوبهم، بذور القلق و الشكّ في ثبات العقيدة. كانوا يقولون لهم: إن كان التوجّه- فيما مضى- إلى بيت المقدس باطلا فقد ضاعت صلواتكم طوال هذه الفترة. و إن كان حقّا فالتوجّه