التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٤٢ الى ١٥٢
الجديد باطل و تضيع صلاتكم. و على أيّة حال فإنّ هذا النسخ و التغيير في الشريعة، يتنافى و ثبات شريعة اللّه!
و قد كان قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها[١] جوابا قاطعا على هذا التشكيك- على ما سلف-.
أمّا الآن فجاء دور تبيين حكمة هذا التحويل بشأن قبلة المسلمين بالذات.
لقد كان الاتّجاه إلى بيت المقدس أوّلا، لحكمة تربويّة أشارت إليها الآية: وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ. كان صعبا على العرب و هم ما زالوا يعظّمون الكعبة بالذات و يعدّوه عنوان مجدهم القوميّ. غير أنّ الإسلام يريد استخلاص القلوب للّه، و تجريدها من التعلّق بغيره، و تخليصها من كلّ نعرة و من كلّ عصبيّة لغير المنهج الإسلامي المرتبط باللّه- عزّت آلاؤه- ارتباطا مباشرا، و متجرّدا عن كلّ ملابسة عنصريّة أو تاريخيّة أو أرضيّة على العموم .. و لذلك فقد نزعهم نزعا من الاتّجاه إلى الكعبة، و اختار لهم الاتّجاه- فترة- إلى المسجد الأقصى، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهليّة (العنصريّة و القوميّة) و ليظهر و يلتمع نفوس طيّبة ممّن يتّبع الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اتّباعا مجرّدا من أيّ إيحاء آخر.
فلم تكن القبلة القديمة إلّا ليتميّز المتّبع الصادق ممّن ينقلب على عقبيه اعتزازا بنعرة جاهليّة تتعلّق بالجنس و القوم و الأرض و التاريخ، أو تتلبّس بها في خفايا المشاعر و حنايا الضمير، أيّ تلبّس من قريب أو من بعيد.
و بعد هذا كلّه فيجيء دور التعرّض لأقاويل أهل السفاسف من الكلام، و هم السفهاء من الناس، يقولون: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها و هل هو تحوّل من باطل إلى حقّ أم من حقّ إلى باطل؟!
فكان الجواب: أن لا هذا و لا ذاك. بل الأمر اعتبار محض. و قد كانت الحكمة في ذات الاتّجاه الواحد، فلا يتفرّق المتعبّدون في اتّجاه عباداتهم، بل الجميع و في صفّ واحد يتّجهون إلى جهة واحدة. أمّا كون نقطة الاتّجاه كذا أو كذا فهذا لا مساس له في أصل التكليف. فقد يعتبر نقطة ما، لمصلحة تقتضيها شرائط الزمان. و يجوز التحويل عنها إلى نقطة اخرى إذا تغيّرت المصالح. شأن
[١] البقرة ٢: ١٠٦.