التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣٠ - باب القصد في العبادة
وصله في كتاب الأدب المفرد، و كذا وصله أحمد بن حنبل و غيره من طريق محمّد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عبّاس[١]. و إسناده حسن، استعمله المؤلف في الترجمة، لكونه متقاصرا عن شرطه، و قوّاه بما دلّ عن معناه، لتناسب السهولة و اليسر[٢].
[٢/ ٤٨٦٥] و أخرج بالإسناد إلى أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إنّ الدين يسر و لن يشادّ الدين أحد إلّا غلبه، فسدّدوا و قاربوا و أبشروا، و استعينوا بالغدوة و الرّوحة و شيء من الدّلجة»[٣].
قوله: «و لن يشادّ الدين أحد إلّا غلبه». قال ابن حجر: المشادّة- بالتشديد- المغالبة، يقال:
شادّه يشادّه مشادّة إذا قاواه. و المعنى: لا يتعمّق أحد في الأعمال الدينيّة و يترك الرفق إلّا عجز و انقطع فيغلب. قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوّة، فقد رأينا و رأى الناس قبلنا أنّ كلّ متنطّع في الدين ينقطع .. و ليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنّه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدّي إلى الملال، أو المبالغة في التطوّع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلّي الليل كلّه و يغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة أو إلى أن خرج الوقت المختار أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة.
[٢/ ٤٨٦٦] و في حديث محجن بن الأدرع عند أحمد: «إنّكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة، و خير دينكم اليسرة»[٤].
قال ابن حجر: و قد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعيّة، فإنّ الأخذ بالعزيمة، موضع الرخصة، تنطّع، كمن يترك التيمّم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر[٥].
قوله: «فسدّدوا» أي ألزموا السداد و هو الصواب من غير إفراط أو تفريط. قال أهل اللغة:
السداد، التوسّط في العمل.
قوله: «و قاربوا» أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه.
[١] مسند أحمد ١: ٢٣٦. و سيأتي.
[٢] فتح الباري ١: ٨٦- ٨٧.
[٣] البخاري ١: ١٦.
[٤] مسند أحمد ٥: ٣٢. و سنذكره تفصيلا.
[٥] فتح الباري ١: ٨٧- ٨٨.