التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٩ - دواء الصبر
الاتّصال. فالشهوة في نفس الشابّ للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار، و كما لا تبقى النار إذا لم يبق لها قوت و هو الحطب، فلا يبقى للشيطان مجال إذا لم تكن شهوة. فإذن إذا تأمّلت علمت أنّ أعدى عدوّك شهوتك و هي صفة نفسك، و لذلك قال الحسين بن منصور الحلّاج حين كان يصلب- و قد سئل عن التصوّف ما هو؟- فقال: هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك.
فإذن حقيقة الصبر و كماله: الصبر عن كلّ حركة مذمومة، و حركة الباطن أولى بالصبر عن ذلك، و هذا صبر دائم لا يقطعه إلّا الموت. نسأل اللّه حسن التوفيق بمنّه و كرمه.
دواء الصبر
اعلم أنّ الّذي أنزل الداء أنزل الدواء و وعد الشفاء، فالصبر و إن كان شاقّا أو ممتنعا فتحصيله ممكن بمعجون العلم و العمل. فالعلم و العمل هما الأخلاط الّتي منها تركّب الأدوية لأمراض القلوب كلّها، و لكن يحتاج كلّ مرض إلى علم آخر و عمل آخر، و كما أنّ أقسام الصبر مختلفة فأقسام العلل المانعة منه مختلفة، و إذا اختلفت العلل اختلف العلاج، إذ معنى العلاج مضادّة العلّة و قمعها. و استيفاء ذلك ممّا يطول و لكنّنا نعرف الطريق في بعض الأمثلة:
فنقول: إذا افتقر إلى الصبر عن شهوة الوقاع مثلا و قد غلبت عليه الشهوة بحيث ليس يملك معها فرجه، أو يملك فرجه و لكن ليس يملك عينه، أو يملك عينه و لكن ليس يملك قلبه و نفسه، إذ لا تزال تحدّثه بمقتضيات الشهوات و يصرفه ذلك عن المواظبة على الذكر و الفكر و الأعمال الصالحة. فنقول: قد قدّمنا أنّ الصبر عبارة عن مصارعة باعث الدين مع باعث الهوى، و كلّ متصارعين أردنا أن يغلب أحدهما الآخر فلا طريق لنا فيه إلّا تقوية من أردنا أن تكون له اليد العليا و تضعيف الآخر؛ فلزمنا هاهنا تقوية باعث الدين و تضعيف باعث الشهوة.
فأمّا باعث الشهوة فسبيل تضعيفه ثلاثة أمور:
أحدها: أن ننظر إلى مادّة قوّتها و هي الأغذية الطيّبة المحرّكة للشهوة- من حيث نوعها و من حيث كثرتها- فلا بدّ من قطعها بالصوم الدائم مع الاقتصاد عند الإفطار على طعام قليل في نفسه، ضعيف في جنسه، فيحترز عن اللحم و الأطعمة المهيّجة للشهوة.
الثاني: قطع أسبابه المهيّجة في الحال فإنّه إنّما يهيّج بالنظر إلى مظانّ الشهوة، إذ النظر يحرّك