التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٠ - دواء الصبر
القلب و القلب يحرّك الشهوة، و هذا يحصل بالعزلة و الاحتراز عن مظانّ وقوع البصر على الصور المشتهاة، و الفرار منها بالكلّية.
[٢/ ٣٨٨٣] قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «النظرة سهم من سهام إبليس»[١] و هو سهم يسدّده الشيطان و لا ترس يمنع منه إلّا تغميض الأجفان أو الهرب من صوب رميه. فإنّه إنّما يرمي هذا السهم عن قوس الصور فإذا انقلبت عن صوب الصور لم يصبك سهمه.
الثالث: تسلية النفس بالمباح من الجنس الّذي تشتهيه و ذلك بالنكاح، فإنّ كلّ ما يشتهيه الطبع ففي المباحات من جنسه ما يغني عن المحظورات منه. و هذا هو العلاج الأنفع في حقّ الأكثر، فإنّ قطع الغذاء يضعف عن سائر الأعمال، ثمّ قد لا يقمع الشهوة في حقّ أكثر الرجال.
[٢/ ٣٨٨٤] و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّ الصوم له و جاء»[٢].
فهذه ثلاثة أسباب، فالعلاج الأوّل و هو قطع الطعام، يضاهي قطع العلف عن البهيمة الجموح و عن الكلب الضاري ليضعف فتسقط قوّته. الثاني: يضاهي تغييب اللحم عن الكلب و تغييب الشعير عن البهيمة حتّى لا تتحرّك بواطنها بسبب مشاهدتها. و الثالث: يضاهي تسليتها بشيء قليل ممّا يميل إليه طبعها حتّى يبقى معها من القوّة ما تصبر به على التأديب.
و أمّا تقوية باعث الدين فإنّما تكون بطريقين، أحدهما: إطماعه في فوائد المجاهدة و ثمراتها في الدين و الدنيا، و ذلك بأن يكثر فكره في الأخبار الّتي أوردناها في فضل الصبر و في حسن عواقبه في الدنيا و الآخرة. و في الأثر: إنّ ثواب الصبر على المصيبة أكثر ممّا فات، و إنّه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة، إذ فاته ما لا يبقى معه إلّا مدّة الحياة، و حصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر. و من أسلم خسيسا في نفيس فلا ينبغي أن يحزن لفوات الخسيس في الحال. و هذا من باب المعارف و هو من الإيمان، فتارة يضعف و تارة يقوى، فإن قوي قوّى باعث الدين و هيّجه تهييجا شديدا، و إن ضعف ضعّفه. و إنّما قوّة الإيمان يعبّر عنها باليقين، و هو المحرّك لعزيمة الصبر، و أقلّ ما أوتي الناس اليقين و عزيمة الصبر.
و الثاني: أن يعوّد هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجا قليلا قليلا حتّى يدرك لذّة الظفر
[١] الحاكم ٤: ٣١٤.
[٢] الأوسط ٨: ١٣٧؛ الكبير ١٠: ١٢٢/ ١٠١٧١.