التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢١ - مظان الحاجة إلى الصبر
و الانفراد، فلا ينجيه غيره، فالصبر على الانفراد أهون من الصبر على السكوت مع المخالطة.
و تختلف شدّة الصبر في آحاد المعاصي باختلاف داعية تلك المعصية في قوّتها و ضعفها.
و أيسر من حركة اللسان حركة الخواطر باختلاف الوساوس، فلا جرم يبقى حديث النفس في العزلة و لا يمكن الصبر عنه أصلا إلّا بأن يغلب على القلب همّ آخر في الدين يستغرقه، كمن أصبح و همومه همّ واحد، و إلّا فإن لم يستعمل الفكر في شيء معيّن لم يتصوّر فتور الوسواس عنه.
القسم الثاني: ما لا يرتبط هجومه باختياره، و له اختيار في دفعه، كما لو أوذي بفعل أو قول و جني عليه في نفسه أو ماله، فالصبر على ذلك بترك المكافأة تارة يكون واجبا، و تارة يكون فضيلة. قال بعض الصحابة رضوان اللّه عليهم: ما كنّا نعدّ إيمان الرجل إيمانا إذا لم يصبر على الأذى. و قال تعالى: وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ[١]. و قسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مرّة مالا، فقال بعض الأعراب من المسلمين: هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه! فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاحمرّت وجنتاه.
[٢/ ٣٨٦٠] ثمّ قال: «يرحم اللّه أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر»[٢] و قال تعالى: وَ دَعْ أَذاهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ[٣] و قال تعالى: وَ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا[٤] و قال تعالى:
وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ[٥] الآية و قال تعالى: وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ[٦] أي تصبروا عن المكافأة. و لذلك مدح اللّه تعالى العافين عن حقوقهم في القصاص و غيره فقال تعالى:
وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ[٧].
[٢/ ٣٨٦١] و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «صل من قطعك، و أعط من حرمك، و اعف عمّن ظلمك»[٨].
[٢/ ٣٨٦٢] و رأيت في الإنجيل: قال عيسى بن مريم عليه السّلام: لقد قيل لكم من قبل: إنّ السنّ بالسنّ
[١] إبراهيم ١٤: ١٢.
[٢] البخاري ٥: ١٠٦؛ مسلم ٣: ١٠٩؛ البيهقي ٨: ١٦٧.
[٣] الأحزاب ٣٣: ٤٨.
[٤] المزّمّل ٧٣: ١٠.
[٥] الحجر ١٥: ٩٧- ٩٨.
[٦] آل عمران ٣: ١٨٦.
[٧] النحل ١٦: ١٢٦.
[٨] مكارم الأخلاق، ابن أبي الدنيا: ٢٣/ ٢٠؛ مسند أحمد ٤: ١٤٨؛ كنز العمّال ٢: ٣١٢/ ٤٠٨٩.