التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٢ - مظان الحاجة إلى الصبر
و الأنف بالأنف، و أنا أقول لكم: لا تقاوموا الشرّ بالشرّ، بل من ضرب خدّك الأيمن فحوّل إليه الخدّ الأيسر، و من أخذ رداءك فأعطه إزارك، و من سخّرك لتسير معه ميلا فسر معه ميلين.[١] و كلّ ذلك أمر بالصبر على الأذى. فالصبر على أذى الناس من أعلى مراتب الصبر، لأنّه يتعاون فيه باعث الدين و باعث الشهوة و الغضب جميعا.
القسم الثالث: ما لا يدخل تحت حصر الاختيار أوّله و آخره؛ كالمصائب: مثل موت الأعزّة و هلاك الأموال، و زوال الصحّة بالمرض، و عمى العين و فساد الأعضاء. و بالجملة سائر أنواع البلاء، فالصبر على ذلك من أعلى مقامات الصبر.
[٢/ ٣٨٦٣] قال ابن عبّاس رضي اللّه عنه: الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه؛ صبر على أداء فرائض اللّه تعالى، فله ثلاثمائة درجة. و صبر عن محارم اللّه تعالى، فله ستمائة درجة. و صبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، فله تسعمائة درجة. و إنّما فضّلت هذه الرتبة، مع أنّها من الفضائل، على ما قبلها، و هي من الفرائض، لأنّ كلّ مؤمن يقدر على الصبر عن المحارم. فأمّا الصبر على بلاء اللّه تعالى فلا يقدر عليه إلّا الأنبياء، لأنّه بضاعة الصدّيقين، فإنّ ذلك شديد على النفس.
[٢/ ٣٨٦٤] و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أسألك من اليقين ما تهوّن عليّ به مصائب الدنيا»[٢] فهذا صبر مستنده حسن اليقين.
و قال أبو سليمان: و اللّه ما نصبر على ما نحبّ فكيف نصبر على ما نكره؟
قال المولى الكاشاني: كلام أبي حامد هاهنا ينافي ما ذكره في أوائل هذا الفصل من أنّ الصبر على العافية أشدّ و أفضل من الصبر على البلاء، و ذلك هو الصحيح دون هذا، و ما نقله هاهنا عن ابن عبّاس يخالف ما رويناه بطريق أهل البيت عليهم السّلام فقد روي في الكافي بإسناده إلى عليّ عليه السّلام أنّه قال:
[٢/ ٣٨٦٥] قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، و صبر على الطاعة، و صبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتّى يردّها بحسن عزائها كتب اللّه له ثلاثمائة درجة ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين السماء و الأرض، و من صبر على الطاعة كتب اللّه له ستّمائة درجة ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، و من صبر عن المعصية كتب اللّه له
[١] فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤: ٢٥٩/ ٥٠٠٤.
[٢] الحاكم ١: ٥٢٨؛ النسائي ٦: ١٠٦/ ١٠٢٣٤.