التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٢٤ الى ١٤١
و يأتي دور تنفيذ إبراهيم و إسماعيل للأمر الذي تلقّياه من ربّهما، بإعداد البيت و تطهيره للطائفين و العاكفين و الركّع السجود. يرسمه القرآن مشهودا كما لو كانت الأعين تراهما اللحظة و تسمعهما في آن:
وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ هي أصول بنيانه وَ إِسْماعِيلُ ضارعين سائلين منه تعالى: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السميع لدعائنا، العليم بالمصالح في عاجل الحياة و آجلها.
رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ إسلاما عن صدق و إخلاص وَ كذلك اجعل مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ. لتكون الذرّيّة هم العناصر الأولى لتكوين أمّة عريقة لها تأصّلها و كرامتها و شرفها التليد. و ليكن طابعها الإسلام و شعارها السّلام و التضامن و الوئام .. تضامن الأجيال في العقيدة و الإيمان.
وَ أَرِنا مَناسِكَنا عرّفنا شعائر ديننا الحقّ، و مراسيم عباداتنا حسبما ترضاه .. فلا ننحرف و لا ننجرف و لا يتلاعب بنا الأهواء.
وَ تُبْ عَلَيْنا إن نسينا أو أخطأنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
ثمّ لئلّا يتركهم بلا هداية في أجيالهم المتلاحقة: رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
و كان آخر من أرسل إليهم بدعاء إبراهيم و إسماعيل، هو نبيّ الإسلام محمّد المصطفى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقد كانت فيه جماع الأوصاف:
[٢/ ٣١٦٦] كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «اجتباه من بني جلدته من خير محتد أصيل. يتلو عليهم آياته: بيّناته. يتابع ذكر الدلائل على عظيم آلائه، فيذكّرهم منسيّ نعمته، و يستأديهم ميثاق فطرته، و يريهم آيات المقدرة، و يثير لهم دفائن العقول»[١]. و يعلّمهم شرائع الكتاب المفروضة عليهم و المندوب إليها في صميم الشريعة. كما و يفتح لهم أبواب الحكمة الرشيدة: بصيرة نافذة في الأعماق وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً.[٢]
[١] انظر: نهج البلاغة، الخطبة الأولى.
[٢] البقرة ٢: ٢٦٩.