التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٢ - دواء الصبر
و أمّا النوع الثاني: فهو ضروريّ أشدّ ضرورة من الأوّل، و هو اشتغاله بالمطعم و الملبس و أسباب المعاش، فإنّ تهيئة ذلك أيضا تحوج إلى شغل إن تولّاه بنفسه، و إن تولّاه غيره فلا يخلو عن شغل قلب بمن يتولّاه. و لكن بعد قطع العلائق كلّها يسلم له أكثر الأوقات إن لم تهجم به ملمّة أو واقعة، و في تلك الأوقات يصفو القلب و يتيسّر له الفكر، و ينكشف فيه من أسرار اللّه تعالى في ملكوت السماوات و الأرض ما لا يقدر على عشر عشيرة في زمان طويل لو كان مشغول القلب بالعلائق. و الانتهاء إلى هذا هو أقصى المقامات الّتي يمكن أن تنال بالاكتساب و الجهد. فأمّا مقادير ما ينكشف مبالغ ما يرد من لطف اللّه تعالى في الأحوال و الأعمال فذلك يجري مجرى الصيد و هو بحسب الرزق. فقد يقلّ الجهد و يجلّ الصيد، و قد يطول الجهد و يقلّ الحظّ، و المعوّل وراء هذا الاجتهاد على جذبة من جذبات الرحمن فإنّها توازي أعمال الثقلين و ليس ذلك باختيار العبد. نعم اختيار العبد في أن يتعرّض لتلك الجذبة بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا، فإنّ المجذوب إلى أسفل سافلين لا ينجذب إلى أعلى عليّين. و كلّ مهموم بالدنيا فهو منجذب إليها.
فقطع العلائق الجاذبة هو المراد بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
[٢/ ٣٨٨٥] «إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها»[١] و ذلك لأنّ تلك النفحات و الجذبات لها أسباب سماويّة إذ قال اللّه تعالى: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ[٢]. و هذا من أعلى أنواع الرزق. و الأمور السماويّة غائبة عنّا فلا ندري متى ييسّر اللّه تعالى أسباب الرزق. فما علينا إلّا تفريغ المحلّ و الانتظار لنزول الرحمة و بلوغ الكتاب أجله. كالّذي يصلح الأرض و ينقّيها من الحشيش و يبثّ البذر فيها، و كلّ ذلك لا ينفعه إلّا بمطر و لا يدري متى يقدّر اللّه أسباب المطر، إلّا أنّه يثق بفضل اللّه تعالى و رحمته أنّه لا يخلى سنة عن مطر، فكذلك قلّما تخلو سنة و شهر و يوم عن جذبة من الجذبات و نفحة من النفحات، فينبغي أن يكون العبد قد طهّر القلب عن حشيش الشهوات و بذر فيه بذر الإرادة و الإخلاص و عرّضه لمهابّ رياح الرحمة. و كما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع و عند ظهور الغيم، فيقوى انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة و عند اجتماع الهمم و تساعد القلوب، كما في يوم عرفة و يوم الجمعة و أيّام رمضان، فإنّ الهمم و الأنفاس أسباب.
[١] قال الهيثمي في« مجمع الزوائد»( ١٠/ ٢٣١) رواه الطبراني في الأوسط ٣: ١٨٠ و الكبير ١٩: ٢٣٤ بنحوه.
[٢] الذاريات ٥١: ٢٢.