التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٢٤ الى ١٤١
في الاتّجاه النبيل ذلك الشعور الذي يحاول بعض المتشاكسين الأحداث تحطيمه أو تعويقه و تكبيله، و هو مركوز في أصل الفطرة، لتحقيق تلك الغاية البعيدة المدى.
و من ثمّ قالَ- إبراهيم بدافع من فطرته الرشيدة-: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي؟ و ذلك استعلام منه: هل هناك في ذرّيّته من يصلح للإمامة؟ و ليس طلبا منه أن يجعل منهم إماما![١]
و جاءه الجواب من ربّه الذي ابتلاه و اصطفاه- بعد أن قضى عقبات كئودة- جوابا يقرّر القاعدة الكبرى لنيل الشهادة العليا، و التي أساسها الإيمان الصادق و العمل الصالح و السير على منهج اليقين.
إنّ الإمامة- و هي قدوة إلهيّة- إنّما تكون لمن استحقّها بالعمل و الشعور، و بالصلاح و الإيمان و الإخلاص للّه ربّ العالمين .. و ليست هي وراثة أصلاب و أنساب. فالقربى ليست وشيجة لحم و دم، إنّما هي وشيجة دين و عقيدة.
و من ثمّ قالَ- تعالى-: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.
و الظلم أنواع و ألوان: ظلم النفس بالشرك، و ظلم الناس بالبغي .. و الإمامة الممنوعة على الظالمين تشمل كلّ معاني الإمامة: إمامة الرسالة، و إمامة الخلافة. و إمامة القيادة. و حتّى إمامة الصلاة.
فالعدل بكلّ معانيه هو أساس استحقاق هذه الإمامة في أيّة صورة من صورها. و من ظلم- أيّ لون من الظلم- فقد جرّد نفسه من حقّ الإمامة و أسقط حقّه فيها، بكلّ معنى من معانيها.
و هذا الذي قيل لإبراهيم عليه السّلام و هذا العهد بصيغته التي لا التواء فيها و لا غموض، قاطع في تنحية مشركي العرب و اليهود عن صلاحيّة القيادة و الإمامة، بما عتوا و بغوا في الأرض، عتوا عن أمر اللّه إلى حدّ الشرك باللّه و أفسدوا و انحرفوا عن طريقة جدّهم إبراهيم الخليل عليه السّلام.
و هذا الذي قيل لإبراهيم عليه السّلام و هذا العهد بصيغته التي لا التواء فيها و لا غموض، قاطع كذلك في تنحية من يسمّون أنفسهم المسلمين اليوم، و لكنّهم ظلموا و فسقوا و عتوا عن أمر ربّهم، و نبذوا شريعة اللّه وراء ظهورهم. و دعواهم الإسلام، و هم ينحّون شريعة اللّه و منهجه عن الحياة، دعوى كاذبة بل فاضحة تزيد على خبثهم لؤما.
[١] كما قال الجبّائي: إنّه سؤال منه من اللّه أن يعرّفه: هل في ذرّيّته من يجعله إماما مثله؟( التبيان ١: ٤٤٧).