التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٠ - ملحوظة
قال ابن عاشور: و ليس «شهد» بمعنى «رأى»؛ لأنّه لا يقال: شهد و إنّما يقال: شاهد. و لا الشهر هنا بمعنى هلاله، لأنّ الهلال لا يصحّ أن يتعدّى إليه فعل «شهد» بمعنى حضر!
قال: و من يفهم الآية على ذلك فقد أخطأ خطأ بيّنا، و هو يفضي إلى أنّ كلّ فرد من الأمّة معلّق وجوب صومه على مشاهدته هلال رمضان، فمن لم ير الهلال لا يجب عليه الصوم، و هذا باطل[١].
قلت: تعليق وجوب الصوم على الرؤية، لا يعني الرؤية الشخصيّة، و إنّما المراد حصول الرؤية و تحقّقها خارجا، بمعنى ثبوتها واقعا[٢]، فعندها يجب الصوم على العموم. و هكذا في كلّ حكم من الأحكام الشرعيّة حيث كان مورد ابتلاء العموم و كانت صبغته صبغة جماعيّة، و إن كان التكليف المترتّب موجّها إلى آحاد الأفراد.
فهناك فرق بين حكم الشارع: إذا رأيتم القذر لطّخ ثوبكم فاغسلوه. أو حكمه: إذا رأيتم الفجر طالعا فصلّوا الغداة. فإنّ الأوّل يخصّ أولئك الّذين تلطّخ ثوبهم بالنجس و لا يتعدّاهم. أمّا الثاني فيعمّ الجميع، سواء من رأى و من لم ير، و يكفي بلوغه الرؤية.
*** على أنّ هناك مسألة أصوليّة فيما إذا أخذ «العلم و قبيله» موضوعا أو شرطا لثبوت حكم شرعيّ، فإنّ العلم حينذاك قد لحظ طريقا إلى ثبوت الموضوع و ليس بنفسه موضوعا.
فقول الشارع: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، كان المناط: طلوع الفجر ذاته، أمّا التبيّن فقد أخذ طريقا لإثباته، و لا موضوعيّة له.
و هذا من إفادات سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي- طاب ثراه- و تفصيل الكلام موكول إلى مجاله في علم الأصول. و سنذكر كلامه بشأن مسألة الرؤية هنا.
*** [٢/ ٤٧٩٠] أخرج النسائي بالإسناد إلى عكرمة عن ابن عبّاس قال: «جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: إنّي أبصرت الهلال الليلة. قال: أتشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه؟ قال: نعم. قال:
يا بلال أذّن في الناس فليصوموا غدا»[٣].
[١] التحرير و التنوير ٢: ١٧٢.
[٢] و تكفي إقامة حجّة شرعيّة على ثبوتها من بيّنة أو شهرة قاطعة، و نحو ذلك.
[٣] النسائي ٢: ٦٨؛ سنن النسائي ٤: ١٣٢، باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان.