التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ١١٩ الى ١٢٣
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى لا معدل عنه أبدا. وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ و هذا من باب «إيّاك أعني و اسمعي يا جاره». فمن تابع سبيل الغيّ و الضلال بعد وضوح الهدى و الصلاح، فقد خرج عن ذمّة اللّه، و دخل في ذمّة الشيطان .. فما له في مهاوي الضلال و الدمار من وليّ يحنّ له و لا نصير يخرجه من الهلكة.
*** نعم، الّذين يتجرّدون عن الهوى و يتراودون كتاب اللّه ليل نهار، فهم على وشك من الاهتداء إلى سبيل الرشاد.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ فاحتضنوه عن جدّ و أخذوه بقوّة يَتْلُونَهُ يتراودونه حَقَّ تِلاوَتِهِ بجدّ و حزم أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ بالهدى الّذي أتاهم، حيث كان منشودهم منذ عهد بعيد.
وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ يكفر بالحقّ الّذي لمسه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ خسروا أنفسهم و أضاعوها هباء، حيث مصيرهم إلى الهلاك و الدمار.
و بعد هذا التقرير الحاسم الجازم ينتقل السياق بالخطاب إلى بني إسرائيل، كأنّما ليهتف بهم الهتاف الأخير، بعد تلك المجابهة و ذلك الجدل الطويل، و بعد استعراض تاريخهم- المسجّل على صفحات سوداء- هنا يجيء الالتفات إليهم كأنّها الدعوة الأخيرة، و هم على أبواب الإهمال و الإغفال، و التجريد النهائي من شرف الأمانة أمانة العقيدة .. التي نيطت بهم من قديم. و هنا يكرّر لهم الدعوة ذاتها التي وجّهها إليهم من بداية التجوال.
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ طول حياتكم البذيئة وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ رغم توالي تمرّداتكم و إصراركم على العناد و الفساد؟!
و لكن حيث لم تنغلق أبواب الرحمة، و كانت الفرصة باقية و متاحة على يد خاتم النبيّين- نبيّ الرحمة و الفضيلة- و عليكم فاغتنموها.
وَ اتَّقُوا يَوْماً هو يوم الحسرة و الندامة، يوما لا تَجْزِي لا تغني نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى.[١]
وَ لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ فداء. و العدل: ما يعادل الشيء. كقوله تعالى: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً[٢].
[١] فاطر ٣٥: ١٨.
[٢] المائدة: ٥: ٩٥.