التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٧ - هل البقاء خاص بالشهداء؟
اللّه من في القبور أنشأ جسمه[١] و ردّ روحه إلى جسده، و حشره ليوفّيه أعماله.
فالمؤمن تنتقل روحه من جسده [الدنيوي] إلى مثل جسده في الصورة [القالب المثالي].
فيجعل في جنّة من جنان اللّه يتنعّم فيها إلى يوم المآب.
و الكافر تنتقل روحه من جسده إلى مثله بعينه، فتجعل في نار، فيعذّب بها إلى يوم القيامة.
قال: و شاهد ذلك في المؤمن قوله تعالى: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِما غَفَرَ لِي رَبِّي[٢]. و شاهد ذلك في الكافر قوله تعالى: وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ[٣].
قال: فأخبر اللّه تعالى أنّ مؤمنا قال- بعد موته و قد أدخل الجنّة-: يا ليت قومي يعلمون.
و أخبر أنّ كافرا يعذّب بعد موته غدوّا و عشيّا و يوم تقوم الساعة يخلد في النار.
قال: و الضرب الآخر: من يلهى عنه و تعدم نفسه عند فساد جسمه[٤] فلا يشعر بشيء حتّى يبعث، و هو: من لم يمحض الإيمان محضا و لا الكفر محضا.
قال: و قد بيّن اللّه تعالى ذلك عند قوله: إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً[٥]. فبيّن أنّ قوما عند الحشر لا يعلمون مقدار لبثهم في القبور، حتّى يظنّ بعضهم أنّ ذلك كان عشرا[٦].
قال: و ليس يجوز أن يكون ذلك عن وصف من عذّب إلى بعثه أو نعّم إلى بعثه. لأنّ من لم يزل منعّما أو معذّبا لا يجهل عليه حاله فيما عومل به، و لا يلتبس عليه الأمر في بقائه بعد وفاته.
[٢/ ٣٩٨٩] قال: و قد روي عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: «إنّما يسأل في قبره من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا. فأمّا ما سوى هذين فإنّه يلهى عنه»[٧].
*** قلت: و في الأحاديث أيضا شواهد على بقاء أرواح المؤمنين الأبرار، و أنّهم أحياء متنعّمون
[١] الّذي كان في الدنيا، و سنتكلّم عن ذلك عند الكلام عن المعاد الجسماني: ما ذا يكون؟
[٢] يس ٣٦: ٢٦- ٢٧.
[٣] غافر ٤٠: ٤٥- ٤٦.
[٤] التعبير بانعدام النفس يعني الفناء و الفساد محضا، الأمر الّذي يتنافى مع قوله بعد ذلك: فلا يشعر بشيء حتّى يبعث.
و سنذكر أنّ الصحيح هو العدم المحض بلا إعادة.
[٥] طه ٢٠: ١٠٤.
[٦] يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً طه ٢٠: ١٠٣.
[٧] تصحيح الاعتقاد: ٨٨- ٩٠.