التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٤ - باب القصد في العبادة
مترفّقا، و يرقى هضابه[١] متدرّجا، ليستمرّ على تجشّم متاعبه[٢]، و يمرن على امتطاء مصاعبه[٣].
و شبّه- عليه الصلاة و السّلام- العابد الّذي يحسر منّته و يستنفد طاقته[٤]، بالمنبت. و هو الّذي يغذّ السّير و يكدّ الظّهر[٥] منقطعا من رفقته، و منفردا عن صحابته، فتحسر مطيّته[٦] و لا يقطع شقّته[٧].
قال: و هذا من أحسن التمثيلات و أوقع التشبيهات!
قال: و ممّا يقوّي المراد بهذا الخبر، ما كشفناه من حقيقة الخبر الآخر عنه- عليه الصلاة و السّلام و هو:
[٢/ ٤٨٣٧] فيما رواه بريدة بن الحصيب الأسلمي، قال: قال- عليه الصلاة و السّلام-: «عليكم هديا قاصدا، فإنّه من يشادّ هذا الدين يغلبه»[٨][٩].
عمل من يرجو أن يموت هرما، و احذر حذر من يتخوّف أن يموت غدا».
قال العلّامة المجلسيّ: أي تأنّ و ارفق و لا تستعجل، فإنّ من يرجو البقاء طويلا لا يسارع في الفعل كثيرا. أو أنّ من يرجو ذلك لا يتعب نفسه بل يداريها و لا ينهكها بكثرة العمل و الازدحام فيه.
فهذا نهي عن الإفراط.
كما و يجب التحذّر عن التفريط و التقصير في العمل، و عن التسويف في أداء الواجب. علّه يموت غدا![١٠]
[١] هضاب جمع هضبة: الجبل المنبسط على وجه الأرض أو الطويل الممتنع المنفرد. و يقال للأرض المرتفعة المستطيلة:
هضبة. و مراد الشريف هنا هو المرتفع الممتنع الصعود.
[٢] أي تحمّل مشاقّه.
[٣] يمرن: يتعوّد و يلين له صعوبة الأمر. و امتطأ الدابّة: ركبها.
[٤] يحسر من أحسر أي أعيا. و المنّة: القوّة. و استنفد وسعه أي استفرغه.
[٥] أغذّ السّير و في السير. أسرع و ألحّ في السير. و كدّ يكدّ الدابّة: أتعبها. و المراد من الظهر هنا الدابّة. أي أتعبها في مداومة السير.
[٦] حسر و حسر: كلّ. و المطيّة الدابّة.
[٧] الشّقّة- بالكسر و الضمّ: المسافة الّتي يشقّها السائر، أي يقطعها و يطويها في مسيرته.
[٨] مسند أحمد ٤: ٤٢٢ و ٥: ٣٦١؛ الحاكم ١: ٣١٢؛ البيهقي ٣: ١٨؛ مجمع الزوائد ١: ٦٢؛ كنز العمّال ٣: ٢٩/ ٥٣٠٥؛ الدرّ ١: ١٩٣.
[٩] المجازات النبويّة: ٢٦٠- ٢٦١/ ٢٠٥، مؤسسة الحلبي بمصر، و ٢٤٤- ٢٤٥/ ٢٠٧. مؤسسة دار الحديث.
[١٠] نقلا بتصرّف و تلخيص: مرآة العقول ٨: ١١١.