التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٢ - سورة البقرة(٢) آية ١٥٤
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): آية ١٥٤]
وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤)
و الآن، و عند نزول آيات القتال و المكافحة ضدّ أعداء الدين، جعلت الجماعة المسلمة تستعدّ للجهاد، جهادا شاقّا يستهدف إقرار منهج اللّه في الأرض، و لأداء دورها المقسوم لها في قدر اللّه.
و لتسلم الراية و السير بها في الطريق الشاقّ الطويل، الآن يأخذ القرآن في تعبئتها تعبئة روحيّة، و في تقويم تصوّرها لما يجري في أثناء هذا الجهاد من جذب و دفع، و من تضحيات و آلام، و في إعطائها الموازين الصحيحة الّتي تقدّر بها القيم في هذه المعركة الطويلة المدى:
وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ ...
نعم، الّذين يستشهدون في سبيل إعلاء كلمة اللّه في الأرض، حيث كانوا قتلى كراما أعزّاء أزكياء. هم عادة أكرم القلوب و أزكى الأرواح و أطهر النفوس، و أقرب إلى رضوان اللّه تعالى، و من ثمّ فإنّهم ليسوا أمواتا- بمعنى الفناء و المحو عن صفحة الوجود- بل هم أحياء، حيث كانت سمة الحياة الأولى هي الفاعليّة و النموّ و الامتداد، و سمة الموت هي السلبيّة و الخمول و الانقطاع.
و هؤلاء الّذين بذلوا نفوسهم في سبيل اللّه، كانت فاعليّتهم في نصرة الحقّ الّذي قتلوا من أجله فاعليّة مؤثّرة دائمة، و الفكرة الّتي من أجلها قتلوا ترتوي بدمائهم على مدى الزمان. فما زالوا عنصرا فعّالا دافعا مؤثّرا في تكييف الحياة و توجيهها.
[٢/ ٣٩٧٢] قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اغزوا تورثوا أبناءكم مجدا»[١].
[٢/ ٣٩٧٣] و قال عليّ عليه السّلام: «و اللّه ما صلحت دنيا و لا دين إلّا بالجهاد»[٢].
قال سيّد قطب: و هذه هي صفة الحياة الأولى. فهم أحياء أوّلا بهذا الاعتبار الواقعي في دنيا الناس. ثمّ هم أحياء عند ربّهم- إمّا بهذا الاعتبار، و إمّا باعتبار آخر لا ندري نحن كنهه. و حسبنا
[١] كما في حديث الإمام الصادق عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الوسائل ١٥: ١٥/ ١٦.
[٢] الكافي ٥: ٨/ ١١.