التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٢٤ الى ١٤١
نعم، ليس للمؤمن إلّا أن يستقيم على طريقته الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا[١]. فيعتزّ بالحقّ المستمدّ مباشرة من ربّه[٢]، و بالسمة التي يسمهم بها ربّهم الجليل، فيعرمون بها بين الناس سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ[٣]. تلك كانت: صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ.
قال سيّد قطب: و نقف هنا عند سمة من سمات التعبير القرآني ذات الدلالة العميقة .. إنّ صدر الآية من كلام اللّه التقريري: صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً. أمّا باقيها فهو من كلام المؤمنين.
يلحقه السياق- بلا فصل- بكلام البارئ- سبحانه- في السياق. و كلّه قرآن منزل. و لكنّ الشطر الأوّل حكاية عن قول اللّه، و الشطر الثاني حكاية عن قول المؤمنين. و هو تشريف عظيم أن يلحق كلام المؤمنين بكلام اللّه في سياق واحد، بحكم الصلة الوثيقة بينهم و بين ربّهم، و بحكم الاستقامة الواصلة بينه و بينهم. و أمثال هذا في القرآن كثير، و هو ذو مغزى كبير.[٤]
*** ثمّ تمضي الحجّة الدامغة إلى نهايتها الحاسمة:
قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَ هُوَ رَبُّنا وَ رَبُّكُمْ وَ لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ.
نعم لا مجال للجدل في اللّه و هو ربّنا و ربّكم كما أنّ لنا أعمالنا نحاسب عليها .. و لكم أعمالهم تتحوّل وزرها .. غير أنّ هناك فارق كبير يفصل بيننا و بينكم، إذ نحن متجرّدون له و مخلصون في عبادته لا نشرك به شيئا و لا ندعو معه أحدا.
و هذا تعريض لطيف بالمدّعين للتوحيد، فإمّا يجعلون له شريكا في الربوبيّة، كما صنع أهل الكتاب أو يشركون في عبادته، مع اعترافهم بأنّ الصانع تعالى واحد لا شريك له. فلم يكن توحيد كلّ من الفئات خالصا، كما هو عند المسلمين.
*** و ينتقل السياق إلى مجال آخر من مجالات الجدل، ممّا لا ينبغي الجدل فيه.
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى و هم أسبق
[١] فصّلت ٤١: ٣٠.
[٢] حيث ذيل الآية: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا ...
[٣] الفتح ٤٨: ٢٩.
[٤] في ظلال القرآن ١: ١٦٤- ١٦٥.