التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٢٤ الى ١٤١
و بعد فإذ تمّ عرض قصّة إبراهيم و إسماعيل عليهما السّلام و بنائهما للبيت الرفيع، و ما أبرزته هذه القصّة البديعة من سمات و صفات هي من جلائل سمات الكرام و ما حوته أدعية هذا الأب و الابن الحنونين على الذراري و الأحفاد، من درس و عبر و تبيين لموضع وراثة الأبناء لآبائهم الأعلام، و ما به يستحقّ الأحفاد أن يرثوا الأجداد.
بعد إذ تمّ ذلك، يأتي السياق ليلتقط دلالته و إيحاءه، ليواجه بهما الّذين ينازعون الأمّة المسلمة في الإمامة، و ينازعون نبيّ الإسلام النبوّة و الرسالة و قيادته لهداية الناس جميعا، عن استحقاق تليد و ليس عن طارف.
نعم يجادلون في حقيقة دين اللّه الأصيلة الصحيحة: وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ يحيد عن طريقته الواضحة و شريعته البيضاء اللائحة إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ سفيه مستهتر حيث أخذ في عكر الظلام، مع وضوح المحجّة و ظهور الحجّة؟!
وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا حيث أفضليّته على سائر الناس وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ معدود من عبادنا الصالحين الخلّص، لم يعكر صفو زلاله كدر غبار. و لكن لم اصطفاه اللّه في الدنيا إماما، ليكون في الآخرة من خير عباد اللّه الصالحين؟
نعم لم يكن لشيء سوى استسلامه لربّ العالمين: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ- لفوره-: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ هذه هي ملّة إبراهيم و طريقته اللائحة المفضّلة: الإسلام الخالص الصريح .. و لم يكتف إبراهيم بنفسه، إنّما تركها كلمة باقية في عقبه، و جعلها وصيّة في ذرّيّته.
وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ و يعقوب هذا هو إسرائيل الذي ينتسب اليهود إليه، ثمّ لا يلبّون وصيّته و وصيّة جدّه و جدّهم إبراهيم.
و ها هو إبراهيم و حفيده يعقوب يذكّران ذراريهما بنعمة اللّه عليهم في اختياره الحنيفيّة دينا لهم: يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فلا تكن مشيتكم على خلاف هذا الاصطفاء الحنيف، و لتكن مسيرتكم على منهجه مع الأبد. فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .. و ليكن ذلك شكرا منكم على نعمة هذا الاختيار و هذا الاصطفاء .. و الحرص على ما اختاره اللّه لهم، و الاجتهاد في أن لا يتركوا هذه الأرض إلّا و هذه الأمانة محفوظة فيهم.
***