التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٠ - سورة البقرة(٢) آية ١٧٤
و يأخذون فيها العذاب، فما أخسرها من صفقة و أغباها!
و كفاية عن فضاعة شأنهم قال: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ؟! فيا لطول صبرهم على النار، الّتي اختاروها و عهدوا إليها عن قصد لئيم. فيا للتهكّم الساخر من صفاقتهم الشائنة.
و هذا التعاطي الخاسر إنّما كان نتيجة العمه في اختيار الطريق. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ فمن فاء إليه فهو على الهدى، و هو في وفاق مع الحقّ، و في وفاق مع المهتدين، و في وفاق مع الفطرة و ناموس الكون الأصيل، وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ في شريعة اللّه النازلة بحقّ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ شقاق مع الحقّ و شقاق مع ناموس الفطرة، و شقاق فيما بينهم و بين أنفسهم، و لقد كانوا كذلك و لا يزالون، وعد اللّه الّذي يتحقّق على مدار الزمان و اختلاف الأقوام. و نرى مصداقه واقعا في كلّ دور و كور على مدى الأيّام.
*** [٢/ ٤٣٨٤] أخرج الثعلبي عن ابن عبّاس قال: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود و علمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا و الفضل، و كانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعوث منهم، فلمّا بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم و زوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمّد فغيّروها، ثمّ أخرجوها إليهم و قالوا: هذا نعت النبيّ الّذي يخرج في آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبيّ، فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمّد فلم يتّبعوه، فأنزل اللّه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ[١].
[٢/ ٤٣٨٥] و قال الشيخ في تفسير قوله تعالى: وَ لا يُكَلِّمُهُمُ: قيل في معناه قولان: أحدهما:
لا يكلّمهم بما يحبّون و إنّما هو دليل على الغضب عليهم و ليس فيه دليل على أنّه لا يكلّمهم بما يسوءهم لأنّه قد دلّ في موضع آخر فقال: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ و قال:
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ. قالَ اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ و هذا قول الحسن و واصل و أبي عليّ.
[١] الدرّ ١: ٤٠٩؛ الثعلبي ٢: ٤٧؛ أسباب النزول للواحدي: ٢٩- ٣٠؛ أبو الفتوح ٢: ٣٠١- ٣٠٢؛ مجمع البيان ١: ٤٧٧.