التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٦ - ملحوظة
لاستعذار غير وجيه، بعد أن عرفوا أنّ آباءهم كانوا على طريقة جهلاء: أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ؟! إن هذا إلّا جمود فكريّ و رفض لشريعة العقل.
و من ثمّ يمضى السياق ليرسم لهم صورة رزيّة تليق بهذا التقليد و هذا الجمود، صورة البهيمة السارحة الّتي لا تفقه شيئا، بل حتّى إذا صاح بها راعيها إنّما سمعت مجرّد صوت و لا تفقه ما ذا يعني؟! بل هم أضلّ من هذه البهيمة، فالبهيمة ترى و تسمع و تصيح، و هم صمّ بكم عمي:
وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ.
نعم لهم آذان و ألسنة و عيون، و لكن حيث لا ينتفعون بها فكأنّها لا تؤدّي وظيفتها الّتي خلقت لأجلها، و كأنّهم لم توهب لهم آذان و أسماع و أبصار، و هذا منتهى الزراية بمن يعطّل مشاعره و يغلق منافذ تفكيره، و يتلقّى طريقته في الحياة من غير منابعها الأصل الرويّ، فيترك المنبع الصافي الزلال، و يلجأ إلى عفن المياه الراكدة من غير وعي و لا شعور. فيا لها من تعاسة و سوء الحال في العاجل و المآل.
ملحوظة
قال الزمخشرى: لا بدّ- هنا في الآية- من مضاف محذوف تقديره: و مثل داعي الّذين كفروا كمثل الّذي ينعق بما لا يسمع، أو و مثل الّذين كفروا كبهائم الّذي ينعق، و المعنى: و مثل داعيهم إلى الإيمان- في أنّهم لا يسمعون من الدعاء إلّا جرس النغمة و دويّ الصوت، من غير إلقاء أذهان و لا استبصار- كمثل الناعق بالبهائم، الّتي لا تسمع إلّا دعاء الناعق و نداءه الّذي هو تصويت بها و زجر لها، و لا تفقه شيئا آخر و لا تعي، كما يفهم العقلاء و يعون.
قال: و يجوز أن يراد بما لا يسمع: الأصمّ الأصلخ[١]، الّذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلّا النداء و التصويت لا غير، من غير فهم للحروف.
و قيل: معناه: و مثلهم في اتّباع آبائهم و تقليدهم لهم، كمثل البهائم الّتي لا تسمع إلّا ظاهر الصوت و لا تفهم ما تحته، فكذلك هؤلاء يتّبعونهم على ظاهر حالهم و لا يفقهون أهم على حقّ أم باطل؟!
[١] الأصمّ: الّذي انسدّت منافذ أذنه و ثقل عليه السماع. أمّا الأصلخ فهو الّذي ذهب سمعه نهائيا.