التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣١ - سورة البقرة(٢) آية ١٤٢
أبيه، و ما لهم حتّى تركوا قبلتهم يصلّون مرّة وجها و مرّة وجها آخر؟ و قال رجال من الصحابة:
فكيف بمن مات منّا و هو يصلّي قبل بيت المقدس، و فرح المشركون و قالوا: إنّ محمّدا قد التبس عليه أمره، و يوشك أن يكون على دينكم، فأنزل اللّه في ذلك هؤلاء الآيات[١].
[٢/ ٣٥٠٤] و أخرج ابن جرير عن السدّي قال: لمّا وجّه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل المسجد الحرام اختلف الناس فيها، فكانوا أصنافا؛ فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة زمانا ثمّ تركوها و توجّهوا غيرها؟ و قال المسلمون: ليت شعرنا عن إخواننا الّذين ماتوا و هم يصلّون قبل بيت المقدس هل يقبل اللّه منّا و منهم أم لا؟ و قالت اليهود: إنّ محمّدا اشتاق إلى بلد أبيه و مولده، و لو ثبت على قبلتنا لكنّا نرجو أن يكون هو صاحبنا الّذي ننتظر، و قال المشركون من أهل مكّة: تحيّر على محمّد دينه، فتوجّه بقبلته إليكم و علم أنّكم كنتم أهدى منه، و يوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل اللّه في المنافقين: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ إلى قوله إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، و أنزل في الآخرين الآيات بعدها[٢].
[٢/ ٣٥٠٥] و أخرج الزبير بن بكّار في أخبار المدينة عن عثمان بن عبد الرحمن قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا قام يصلّي انتظر أمر اللّه في القبلة، و كان يفعل أشياء لم يؤمر بها و لم ينه عنها، من فعل أهل الكتاب، فبينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يصلّي الظهر في مسجده، قد صلّى ركعتين، إذ نزل عليه جبريل، فأشار له أن صلّ إلى البيت و صلّى جبريل إلى البيت، و أنزل اللّه: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ[٣] قال: فقال المنافقون:
حنّ محمّد إلى أرضه و قومه، و قال المشركون: أراد محمّد أن يجعلنا له قبلة و يجعلنا له وسيلة، و عرف أنّ ديننا أهدى من دينه. و قال اليهود للمؤمنين: ما صرفكم إلى مكّة و ترككم به القبلة، قبلة موسى و يعقوب و الأنبياء؟ و اللّه إن أنتم إلّا تفتنون. و قال المؤمنون: لقد ذهب منّا قوم ماتوا ما ندري أ كنّا نحن و هم على قبلة أو لا؟ قال: فأنزل اللّه عزّ و جلّ في ذلك: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ[٤].
[١] الدرّ ١: ٣٤٥؛ الدلائل ٢: ٥٧٤- ٥٧٥.
[٢] الدرّ ١: ٣٤٥؛ الطبري ٢: ٩ و ١٨- ١٩/ ١٧٨٨ و ١٨٢١.
[٣] البقرة ٢: ١٤٤.
[٤] الدرّ ١: ٣٤٦- ٣٤٧.